يفتح مراهق في الرياض أو الدار البيضاء تطبيقا واحدا، فيتنقل خلال دقائق بين ثلاث لغات وثلاثة سياقات: تعليق بالعامية على مقطع فيديو، رد بالفرنسية على صديق، واقتباس بالإنجليزية من أغنية. لم يتعلم أحد كيف يفعل هذا بشكل رسمي، ومع ذلك يفعله بطلاقة تفوق طلاقته في أي من اللغات الثلاث منفردة. تقرير حديث عن الهوية الرقمية لدى جيل Z العربي يصف هذا التنقل بأنه ليس ارتباكا لغويا عابرا، بل نظام تعبير جديد يبنيه الشباب بأنفسهم، بعدما اعتادت الأجيال السابقة أن ترث هويتها جاهزة من الأسرة والمدرسة والدولة (The New Global Order, 2026).
من الوراثة إلى المفاوضة
لعقود، كانت الهوية تنتقل عموديا: من جيل إلى جيل، ومن مؤسسة إلى فرد، بوصفها حزمة جاهزة من العادات والولاءات لا يُطلب من صاحبها أكثر من قبولها. الجيل الذي نشأ في وسط التواصل الاجتماعي لا يعيش هذا النمط بالطريقة نفسها. الهوية عنده تُفاوَض أفقيا، بين الأقران، في تعليق يُكتب ويُعدَّل ويُرد عليه خلال ثوان، لا في درس يُلقى مرة واحدة ولا يُناقَش.
النتيجة ليست تمردا صريحا على الموروث، بل شيء أكثر دقة: مشروع تشاركي مفتوح، تتقاطع فيه ملايين الأصوات الفردية لتحدد يوما بيوم ما الذي يعنيه أن تكون عربيا وحديثا في الوقت نفسه، دون أن يقبل أي منهم نسخة واحدة رسمية مفروضة من فوق.
لغة بثلاث طبقات
أبرز أدوات هذا التفاوض هي اللغة نفسها. التنقل بين العربية والفرنسية والإنجليزية داخل الجملة الواحدة ليس مصادفة، بل امتداد لإرث لغوي استعماري أعيد توظيفه بمعنى مختلف: كل لغة تحمل نبرة ووظيفة، فالعامية تصلح للسخرية والقرب، والفرنسية أو الإنجليزية تفتحان ما يسميه بعض الباحثين “مساحة ثالثة” للنقاش الفكري، بعيدا عن حساسية اللغة الأم في قضايا حساسة.
لكن هذه المساحة الثالثة ليست مجانية. القدرة على التنقل بسلاسة بين ثلاث لغات مرتبطة مباشرة بجودة التعليم الذي يحصل عليه المرء، ما يعني أن “الفضاء الرقمي المشترك” الذي يبدو للوهلة الأولى ديمقراطيا ومفتوحا للجميع، يعيد في الواقع إنتاج الفوارق الطبقية نفسها التي يفترض أنه يتجاوزها.
قاعة رقمية بلا حارس
مع غياب حارس تقليدي واحد يقرر ما يُقال وما لا يُقال، ظهر ما يصفه الباحثون بـ”المجلس الرقمي”: فضاء عابر للحدود يعيد إنتاج فكرة المجلس التقليدي العربي، لكن بلا سقف جغرافي أو سلطة مركزية تدير الحديث. فيه تُعاد صياغة القضايا المحلية بأدوات عالمية، انتقائيا، بما يخدم سياقا بعينه لا استيرادا أعمى لموضة خارجية.
من الأمثلة الدالة على هذا النمط حملة “أزرق من أجل السودان” عام 2019، حين لجأ السودانيون في الشتات إلى تلوين صورهم الرمزية باللون الأزرق أثناء انقطاع الإنترنت داخل البلاد، لينقلوا صوت من انقطع صوته، ويحولوا أداة رمزية بسيطة إلى شبكة تضامن عابرة للحدود لم تكن لتُبنى بهذه السرعة بأي وسيلة أخرى.
هذه الهوية الهجينة، إذن، لا تكتمل عند نقطة ثابتة، ولا تحل التوتر بين الانتماء المحلي والانفتاح العالمي، بل تجعل من التوتر نفسه مكانا للعيش فيه. القيمة ليست في الوصول إلى تركيبة نهائية لما يعنيه أن تكون عربيا اليوم، بل في أن التفاوض المستمر، بكل ما فيه من تناقض وارتجال، أصبح هو الهوية بذاتها، لا مجرد طريق إليها.