شاب سعودي أمضى طفولته يلعب ألعابا صمّمتها استوديوهات في اليابان وأمريكا، يجلس اليوم في مكتب مشترك بالرياض يبرمج شخصية داخل لعبة يُفترض أن تنافس تلك الألعاب نفسها على الرفوف العالمية. هذا التحول ليس فرديا معزولا: أعلنت “نيوم” ومجموعة “إم بي سي” عن تأسيس أول استوديو ألعاب متخصص في تطوير عناوين من فئة AAA في الشرق الأوسط ومقره السعودية (سعودي جيمر, 2026)، في وقت باتت فيه ميزانيات تطوير الألعاب الضخمة تتجاوز حاجز 200 مليون دولار للمشروع الواحد (العرب, 2026).
من مستهلك إلى صانع
لعقود، كان العالم العربي سوقا استهلاكيا ضخما لصناعة الألعاب العالمية: ملايين اللاعبين، إنفاق سنوي مرتفع على الاشتراكات والمحتوى الإضافي، لكن بلا حضور فعلي في جهة الإنتاج. الاستثمارات الجديدة تحاول قلب هذه المعادلة عبر بناء استوديوهات محلية قادرة على إنتاج ألعاب بمعايير عالمية، لا فقط توطين أو ترجمة ألعاب أُنتجت أصلا في مكان آخر. الفارق جوهري: صناعة اللعبة من الصفر تعني التحكم في القصة والشخصيات والقيم الثقافية المضمنة فيها، بدل استقبال منتج جاهز مصمم لجمهور مختلف تماما.
دعم حكومي يسبق نضج السوق
ما يميز هذه الموجة أنها مدفوعة أساسا بدعم حكومي مباشر يسبق نضج السوق الطبيعي: مجموعة “سافي” للألعاب وقّعت مذكرتي تفاهم لتمكين استوديوهات محلية ومطورين مستقلين من الوصول لأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي في التطوير (زاوية, 2026)، إلى جانب مراكز متخصصة توفر مساحات عمل وتدريبا وتمويلا للمطورين الناشئين. هذا النمط من الدعم يشبه ما حدث في قطاعات أخرى كالسينما والرياضة الإلكترونية: استثمار سيادي ضخم يحاول بناء صناعة كاملة خلال سنوات معدودة بدل انتظار تراكمها العضوي على مدى عقود كما حدث في اليابان أو كوريا الجنوبية.
تحدي المحتوى لا التمويل
المال وحده لا يصنع صناعة ألعاب ناجحة؛ فالتحدي الأصعب يكمن في بناء قصص وشخصيات تنافس عالميا دون أن تفقد هويتها المحلية أو تتحول لنسخة مكررة من نجاحات غربية أو آسيوية سابقة. الاستوديوهات الناشئة تواجه سؤالا دقيقا: كيف تصنع لعبة يلعبها مراهق في طوكيو أو شيكاغو بقدر ما يلعبها مراهق في جدة، دون أن تذوب الهوية العربية في قالب عالمي جاهز يخلو من أي خصوصية حقيقية؟
يبقى السؤال مفتوحا لسنوات قادمة: هل ستنتج هذه الاستثمارات الضخمة فعلا صناعة ألعاب عربية أصيلة تصدّر قصصها للعالم كما فعلت اليابان وكوريا، أم ستبقى استوديوهات محلية تنتج نسخا مصقولة تقنيا من نماذج نجاح مستوردة، بلا بصمة سردية تُذكر بعد عقد من الآن؟