طفل إماراتي يرسم في كراسة مدرسية صاروخا يحمل علم بلاده متجها نحو كوكب أحمر صغير، لا كخيال بعيد بل كامتداد لمشروع وطني معلن يراه معلقا على شاشة التلفاز في نشرات الأخبار. هذا الطموح ليس مجازا: أطلقت الإمارات “مسبار الأمل” في يوليو 2020 كأول مسبار عربي وإسلامي يصل إلى مدار المريخ (وكالة الإمارات للفضاء, 2026)، وقبله حقق هزاع المنصوري عام 2019 إنجاز أول رائد فضاء إماراتي وعربي يخوض مهمة علمية مأهولة إلى محطة الفضاء الدولية، لتصبح الإمارات الدولة التاسعة عشرة عالميا التي تحقق ذلك (المنصة الرسمية للإمارات, 2026). والأبعد من ذلك كله: خطة مئة عام تهدف لبناء أول مستوطنة بشرية على الكوكب الأحمر بحلول 2117 (المنصة الرسمية للإمارات, 2026).
طموح يُقاس بالقرن لا بالموازنة
ما يميز هذا المشروع عن أغلب المبادرات الحكومية المعتادة أنه لا يعد بنتائج قابلة للقياس خلال دورة انتخابية أو خطة خمسية، بل يضع أفقا زمنيا يتجاوز عمر من أطلقه أصلا. هذا النوع من التخطيط بعيد المدى نادر في منطقة اعتادت غالبا خططا تُقاس بالميزانية السنوية أو رؤى العقد الواحد. حين تُعلن دولة أنها تخطط لمستوطنة بشرية بعد قرن كامل، فإنها تراهن ضمنيا على استمرارية مؤسساتية واستقرار سياسي واقتصادي يتجاوز أي حكومة بعينها، وهو رهان بحد ذاته أكثر جرأة من الرهان التقني نفسه.
بنية تحتية علمية لا استعراض وحيد
خلف الصورة اللافتة لمسبار يدور حول المريخ، توجد بنية تحتية علمية أوسع تُبنى بالتوازي: برنامج متخصص لتدريب وتأهيل رواد فضاء إماراتيين يُعد الأول من نوعه في الوطن العربي بأكمله (أطلس الاتحاد, 2026)، ما يعني استثمارا في رأس مال بشري متخصص لا في مشروع واحد قابل للنسيان بعد إنجازه. هذا النوع من الاستثمار في الكفاءات هو ما يحدد إن كان البرنامج الفضائي مشروع دولة مستمرا، أم إنجازا لحظيا يخفت بريقه بعد سنوات قليلة من التغطية الإعلامية.
سؤال الأولويات في منطقة مثقلة بالتحديات
في المقابل، لا يخلو هذا الطموح من نقد يتردد في أوساط عربية أخرى: كيف تستثمر دول في المنطقة مليارات في استكشاف كواكب بعيدة بينما تعاني دول جارة من أزمات مياه وغذاء وبنية تحتية أساسية متهالكة؟ الإجابة التي تقدمها الإمارات ضمنيا هي أن الاستثمار في العلوم المتقدمة ليس ترفا منفصلا عن التنمية، بل محرك اقتصادي بحد ذاته يخلق صناعات وتقنيات ثانوية تنعكس لاحقا على قطاعات أخرى كالاتصالات والطاقة والمواد.
يبقى السؤال مفتوحا لأجيال قادمة لن تراه إلا هي: هل سيُنظر لهذا المشروع بعد قرن كإنجاز حضاري يستحق كل هذا الرهان المبكر، أم كطموح تجاوز حجمه الفعلي حدود منطقة كان عليها أولا أن تحل مشكلاتها الأرضية قبل أن تفكر جديا في بناء بيت على كوكب آخر؟