دان هاريس كان صحفيا تلفزيونيا ناجحا، من النوع الذي يقيس قيمته بالإنجاز الظاهر والسبق الصحفي والظهور المتقن على الشاشة. ثم في صباح عادي، أمام ملايين المشاهدين، أصابته نوبة هلع جعلته يفقد القدرة على إتمام جملة واحدة. لم تكن تلك اللحظة سوى عرض لمشكلة أعمق: عقل لم يتعلم أبدا كيف يلاحظ نفسه، عقل يعيش في حالة تشغيل دائم دون زر إيقاف. بحث هاريس عن علاج، فانتهى به الأمر إلى ما كان يسخر منه قبل سنوات: التأمل.
ما يميز هذا الكتاب هو موقعه الفريد بين عالمين كان من المفترض أن يتنافرا. صحفي تحقيقات معتاد على التشكك في كل شيء، يدخل عالم اليقظة الذهنية والروحانيات الشرقية حاملا أداة النقد لا الانبهار. هو لا يقبل أي فكرة لأنها تبدو حكيمة أو قديمة، بل يطرح عليها الأسئلة الصحفية المعتادة: هل هذا صحيح فعلا؟ هل هناك دليل؟ من يستفيد من ترويج هذه الفكرة؟ هذا الموقف النقدي هو ما يجعل الكتاب مقنعا لمن يشكّك بطبعه في أي خطاب روحاني، لأن الكاتب يشاركهم نفس الشك قبل أن يقتنع تدريجيا بفائدة الممارسة، لا بصحة الفلسفة المحيطة بها.
الفكرة المركزية التي يخرج بها القارئ هي أن العقل البشري يتصرف غالبا كقرد مزعج يقفز من فكرة إلى فكرة، يهتم بنفسه أكثر من أي شيء آخر، ويصدق كل قصة يرويها لنفسه دون تمحيص. التأمل لا يوقف هذا القرد عن القفز، فهذا مستحيل، لكنه يعلّم المرء أن يلاحظ القفزات دون أن ينجرف خلفها تلقائيا. هذه المسافة الصغيرة بين الفكرة وردة الفعل عليها هي كل الفرق بين من يعيش تحت رحمة مزاجه ومن يملك مساحة، ولو ضئيلة، للاختيار.
الكتاب أيضا يفكك الأسطورة الشائعة عن السعادة الروحانية الكاملة، تلك الصورة التي تربط التأمل بابتسامة دائمة وسلام داخلي مطلق. هاريس يرفض هذا الوعد الفارغ، ويستبدله بهدف أكثر واقعية وأكثر قابلية للتحقيق: أن يصبح المرء أهدأ بنسبة عشرة بالمئة فقط. هذا التواضع في الوعد هو ما يجعله صادقا، لأن من يطلب التحول الكامل غالبا يفشل ويتوقف، بينما من يقبل تحسنا متواضعا ومستمرا يبني عادة تدوم.
القراءة المفيدة لهذا الكتاب ليست في تبني كل ما يقوله الكاتب عن التأمل كحل لكل مشكلة، بل في تبني موقفه النقدي تجاه عقله الخاص: أن يتعلم المرء ملاحظة صوته الداخلي بدل أن يكون أسيرا له، وأن يقبل أن تحسنا صغيرا ومستمرا أفضل من وعد كبير لا يتحقق.