عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
ملخصات الكتب

Free Will

الإرادة الحرة

Sam Harris

Free Will

يبدأ سام هاريس من سؤال يبدو فلسفيا مجردا لكنه يلامس أساس فهمنا لذواتنا: هل نحن فعليا مصدر أفكارنا وقراراتنا، أم أن هذه الأفكار والقرارات تنبثق فينا من أسباب سابقة لا سيطرة لنا عليها؟ هاريس يجيب بحزم: الشعور بأننا نختار بحرية كاملة هو وهم، لأن كل فكرة تخطر في ذهننا، وكل نية نشكلها، تظهر في وعينا بعد أن تكون قد تشكلت فعليا في مستويات عصبية أعمق لا نملك إليها وصولا مباشرا. نحن لا نختار أفكارنا قبل ظهورها، بل نكتشفها فقط حين تظهر، ثم نخدع أنفسنا بأننا كنا مصدرها الحر منذ البداية.

الدليل العلمي الذي يستحضره هاريس بكثافة يأتي من تجارب التصوير العصبي الوظيفي، التي أظهرت أن نشاطا دماغيا معينا يمكن أن يتنبأ بالقرار الذي سيتخذه شخص ما قبل وصول ذلك القرار إلى وعيه بمئات من ميلي ثانية، في بعض الحالات قبل ثوان كاملة. هذا التأخر الزمني بين تشكل القرار فعليا في الدماغ ووصوله إلى الإدراك الواعي يقوّض، عند هاريس، الفكرة القائلة بأن الوعي هو من يصدر القرار أصلا. الوعي، في تصويره، أشبه بمتلقٍ متأخر لنتيجة عملية حدثت أصلا في الخلفية، لا بمصدر فاعل لتلك النتيجة.

من النقاط الأكثر إثارة للجدل في الكتاب هي رفض هاريس للحل الوسط الذي يحاول كثير من الفلاسفة تبنيه، والمعروف بالحتمية التوافقية، والذي يحاول التصالح بين كون الكون محكوما بأسباب سابقة وكون الإنسان مع ذلك حرا بمعنى ما. هاريس يعتبر هذا الحل لعبة لغوية تعيد تعريف “الحرية” بشكل يفرغها من المعنى الذي يهتم به الناس فعليا، أي القدرة على أن نكون قد فعلنا غير ما فعلنا في نفس اللحظة بالضبط بنفس الظروف. ما دام هذا غير ممكن، فإن أي تعريف بديل للحرية، عنده، لا يحل المشكلة بل يتجاهلها.

النتيجة الأخلاقية لهذا الطرح، وهي الجزء الذي يخصص له هاريس جهدا كبيرا لتفسيره، ليست انهيار المسؤولية أو العدمية الأخلاقية كما قد يُظن، بل تحول في طبيعة هذه المسؤولية: إذا كان كل شخص نتاج جيناته وتاريخه وظروفه التي لم يخترها، فإن من يرتكب جريمة لم يكن في لحظة الجريمة شخصا مختلفا قادرا على فعل غير ما فعل، بل كان نتاج سلسلة أسباب سابقة أوصلته لتلك النقطة. هذا الفهم، عند هاريس، لا يلغي ضرورة العقاب أو الإصلاح أو الحماية المجتمعية من الخطر، بل يحررها من نزعة اللوم الانتقامي القائم على فكرة أن المجرم “كان يستطيع أن يتصرف بشكل آخر بحرية كاملة”، ويستبدلها بمقاربة أقرب للفهم العلاجي والتعاطفي تجاه أصل السلوك.

الكتاب يلاحظ أيضا أن التخلي عن وهم الإرادة الحرة لا يعني التخلي عن أهمية التفكير المتعمد والتخطيط، فالتداول الذهني الجاد قبل اتخاذ قرار مهم يبقى جزءا حقيقيا من العملية التي تشكل القرار النهائي، حتى لو لم يكن هذا التداول نفسه نابعا من حرية مطلقة منفصلة عن الأسباب السابقة. هاريس يميز بذلك بين القول بأن القرارات محكومة بأسباب، وبين القول بأن التفكير والتأمل لا فائدة منهما، وهو تمييز مهم يمنع القارئ من استخلاص استنتاج كسول مفاده أن لا قيمة للجهد الذهني إذا كانت النتيجة محتومة سلفا.

ما يقترحه هاريس في النهاية هو أن قبول حقيقة غياب الإرادة الحرة بالمعنى التقليدي قد يكون، بشكل مفارق، خطوة نحو إنسانية أعمق لا أقل: حين نتوقف عن النظر لأخطاء الآخرين كنتاج اختيار حر خالص يستحق اللوم الكامل، ونبدأ بفهمها كنتاج ظروف وأسباب متشابكة لم يتحكم بها أحد بالكامل، يصبح من الأسهل أن نتعامل مع فشل الناس وأخطائهم، بما فيها أخطاؤنا الخاصة، بتعاطف أكبر دون أن يعني هذا التخلي عن السعي لتحسين السلوك أو حماية المجتمع.