عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
ملخصات الكتب

On the Move: A Life

في حركة دائمة: سيرة حياة

Oliver Sacks

On the Move: A Life

يكتب أوليفر ساكس هذه السيرة في السنة الأخيرة من حياته، بعد أن أعلن في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز أنه يعاني من مرض لا شفاء منه، وهذه المعرفة المسبقة بقرب النهاية تمنح النص كله نبرة خاصة من الصدق غير المتحفظ. فالرجل الذي عرفه القراء طبيب أعصاب رقيقا يروي بتعاطف عميق قصص مرضاه الاستثنائيين، يقرر هنا أن يروي قصته الخاصة بنفس الجرأة التي روى بها قصصهم، دون أن يحجب الجوانب التي قد تبدو غير مريحة لقارئ تعوّد على صورته العامة الهادئة.

الخيط الذي يجمع فصول الكتاب المتنوعة هو فكرة الحياة كمغامرة مستمرة، لا كمسار محسوب مسبقا. فساكس ينتقل من احتجاجات الشباب في إنجلترا، إلى رحلة عبور أمريكا على متن دراجة نارية، إلى تجربة إدمان حقيقية للمخدرات في كاليفورنيا في الستينيات، إلى عمله كطبيب شاب في نيويورك حيث اكتشف مرضا منسيا في الأجنحة المهجورة لمستشفى مزمن، وهي التجربة التي شكلت فيما بعد كتابه الشهير “اليقظة”. هذا التنقل الجسدي المستمر بين الأماكن يوازيه تنقل فكري لا يقل حيوية، بين الطب والكتابة والشعر والكيمياء، وكأن ساكس يرفض منذ شبابه أي تعريف ضيق لهويته المهنية أو الفكرية.

ما يميز هذا الكتاب عن سيرته الذاتية الأولى هو انكشافه العاطفي غير المسبوق: ساكس يكتب بصراحة عن علاقاته الرومانسية مع رجال، وهو ميل ظل يخفيه عن العلن لعقود طويلة بسبب ثقافة عصره، ويكتب أيضا عن شعوره بالذنب تجاه ترك أسرته في إنجلترا للانتقال إلى أمريكا، وعن علاقته المعقدة بشقيقه المصاب بالفصام، الذي شكل وعيه المبكر بهشاشة العقل البشري. هذه الاعترافات لا تأتي بنية الفضح أو الإثارة، بل بنية محاولة فهم متأخرة لشخص يراجع حياته كاملة قبل أن ينتهي وقت المراجعة.

أحد أكثر الجوانب المفاجئة في الكتاب هو ولع ساكس برفع الأثقال، رياضة بدنية صرفة بدت في ظاهرها بعيدة عن صورته كمثقف هادئ، لكنه يصفها بنفس الحماس الفكري الذي يصف به اكتشافا علميا، فيكشف أن الطاقة التي تقوده إلى السباحة الطويلة في المياه المفتوحة ورفع الأثقال هي نفس الطاقة التي تقوده إلى الانغماس الفكري الكامل في الكتابة لساعات متواصلة، وكأن الجسد والعقل عنده يتغذيان من مصدر واحد للحماس الذي لا يهدأ. هذا التماثل بين شغفه الجسدي وشغفه الفكري يقدم صورة متكاملة لإنسان يرفض الفصل التقليدي بين العقل والجسد في فهمه لذاته.

الكتاب مليء أيضا بصداقات فكرية تركت أثرا عميقا في تكوينه، مع شخصيات مثل الشاعر ثوم غن، وعالم الأعصاب ألكسندر لوريا، والشاعر دبليو إتش أودن، والعالم فرانسيس كريك أحد مكتشفي بنية الحمض النووي. هذه العلاقات لا تُروى كقائمة من الأسماء المشهورة، بل كحوارات حقيقية شكلت طريقة ساكس في التفكير عن العلاقة بين العلم والإنسانية، وهي العلاقة التي صارت لاحقا علامته الفارقة كطبيب يكتب عن مرضاه بحساسية أدبية نادرة بين أهل مهنته.

ما يبقى مع القارئ من هذا الكتاب هو شعور بالامتلاء أمام حياة عاشها رجل واحد بكثافة تكفي عدة حيوات: الطب والكتابة والرياضة والحب والفقد والاكتشاف العلمي، كلها متداخلة في نسيج واحد لم يتوقف عن الحركة حتى اللحظات الأخيرة. وكأن العنوان نفسه، “في حركة دائمة”، ليس وصفا لمرحلة معينة من حياته بل لجوهر شخصيته كلها: إنسان لم يتوقف يوما عن السفر، جسديا وفكريا وعاطفيا، حتى حين بدأ الزمن المتبقي له يُقاس بالأشهر لا بالسنوات.