عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #37

من يطلب الكمال أولا لا يبدأ أبدا

26 فبراير 2027

من يطلب الكمال أولا لا يبدأ أبدا

تأملات #37: من يطلب الكمال أولا لا يبدأ أبدا

يخلط كثيرون بين الحرص على الجودة وانتظار الكمال، وهما أمران مختلفان جذريا في النتيجة وإن بدا الفارق بينهما بسيطا في الظاهر. الحرص على الجودة يدفع الإنسان إلى البدء والتحسين تدريجيا، بينما انتظار الكمال يدفعه إلى التأجيل المستمر بحجة أن الوقت لم يحن بعد، أو أن الأداة الناقصة، أو أن المعرفة لم تكتمل. المشكلة أن هذا الانتظار لا ينتهي أبدا، لأن الكمال نفسه مفهوم متحرك يتغير مع كل مرحلة من الفهم.

من يراقب أصحاب الإنجازات الحقيقية يجد أنهم بدأوا أعمالهم في صورة بعيدة كل البعد عن الكمال الذي وصلوا إليه لاحقا. أول كتاب لكاتب مشهور، أول مشروع لمؤسس ناجح، أول لوحة لفنان معروف، كلها كانت متواضعة، تحمل أخطاء واضحة، ولو طبق عليها صاحبها معيار الكمال الذي يحلم به الآن، لما خرجت إلى الوجود أصلا. الفارق بين هؤلاء وغيرهم ليس أنهم بدأوا بشكل أفضل، بل أنهم قبلوا البدء بشكل ناقص أصلا.

السبب الخفي وراء طلب الكمال أولا ليس حبا في الجودة بقدر ما هو خوف من الانكشاف. من يبدأ بعمل ناقص يعرّض نفسه لاحتمال الفشل أو النقد المباشر، أما من يظل في مرحلة “التحضير” إلى الأبد، يحمي نفسه من هذا الخطر، لكنه يدفع ثمنا أكبر منه بكثير: لا ينتج شيئا على الإطلاق، ويبقى حلمه في مكانه دون أن يتقدم خطوة واحدة نحو الواقع.

الحل ليس التخلي عن الجودة، بل إعادة تعريف ما يعنيه البدء. البداية ليست النسخة النهائية، بل أول محاولة قابلة للتحسين، وكل تحسين لاحق يحتاج إلى وجود شيء أصلا ليُحسَّن. من يفهم أن الكمال يأتي عبر التكرار والمراجعة، لا عبر التخطيط المسبق المطلق، يكتسب قدرة على البدء لا يملكها من يظل عالقا في انتظار اللحظة المثالية.

لا توجد بداية كاملة، توجد بدايات ناقصة قُبل أصحابها أن يبدأوا بها.