تأملات #42: كل قرار يبدو مفاجئا هو في الحقيقة قرار تأخر كثيرا
يفاجأ الناس من حولهم حين يترك أحدهم وظيفة مستقرة بشكل مفاجئ، أو يقرر إنهاء علاقة طويلة دون مقدمات واضحة، أو يغير مساره بالكامل بعد سنوات من الثبات. الوصف الشائع لهذه القرارات هو “مفاجئة” أو “متسرعة”، لكن من يعرف صاحب القرار عن قرب يكتشف غالبا أن شيئا لم يكن مفاجئا على الإطلاق، بل كان يتراكم بصمت لفترة طويلة قبل أن يظهر للعلن في لحظة واحدة.
القرار الذي يبدو سريعا من الخارج غالبا يكون نتيجة لحوار داخلي طويل، استمر لأشهر أو سنوات، لم يره أحد لأنه حدث في صمت. الشخص نفسه قد لا يكون واعيا بكامل هذا التراكم، فيشعر في لحظة معينة أن “شيئا تغير فجأة”، بينما الحقيقة أن نقطة تحمله وصلت إلى حدها الأقصى، والقرار الذي بدا انفجارا مفاجئا كان في الحقيقة قطرة أخيرة أضيفت إلى كوب كان يمتلئ تدريجيا منذ زمن.
هذا يفسر لماذا تبدو محاولات إقناع شخص بالعودة عن قرار “مفاجئ” غير مجدية غالبا، فالطرف الآخر يتعامل مع لحظة واحدة، بينما صاحب القرار يحمل خلفه تاريخا كاملا من التفكير والمحاولة والصبر الذي وصل إلى نهايته. من يحاول معالجة لحظة الانفجار فقط، دون فهم ما تراكم قبلها، يفوّت الجزء الأهم من القصة، ويعامل النتيجة كما لو كانت السبب.
الفائدة من هذا الفهم تتجه في اتجاهين: تجاه الآخرين، يدفع نحو تفهم أعمق حين يتخذ شخص قريب قرارا يبدو متسرعا، بافتراض أن خلفه حكاية طويلة لم نرها. وتجاه النفس، يدفع نحو انتباه أبكر لتلك التراكمات الصامتة، بدل تركها تصل إلى حدها الأقصى، لأن من يستمع لشكواه الداخلية مبكرا يستطيع أن يعدل المسار بهدوء، بدل أن ينفجر في قرار يبدو للجميع غامضا.
ما يبدو قرارا مفاجئا للآخرين كان غالبا نتيجة صبر طويل لم يره أحد سواك.