اختار الروائي المصري أحمد لطفي عنوانا لافتا لتجربته الأدبية الأولى من نوعها في العربية: “خيانة في المغرب”، رواية كتبها بالتعاون مع أداة ذكاء اصطناعي، ليصبح بذلك أول عمل روائي عربي معلن يُنسب تأليفه جزئيا إلى نموذج لغوي. بطل الرواية، فارس، يهرب من عصابة تطارده بينما يكتشف أسرارا تغيّر مجرى حياته. لكن العنوان نفسه يحمل مفارقة تستحق التوقف: هل كانت “الخيانة” التي يشير إليها لطفي متعلقة بحبكة القصة وحدها، أم أنها استعارة غير مقصودة عن التجربة ذاتها؟ (Al Majalla, 2026).
تجربة لا مانفستو
لطفي نفسه لم يقدّم عمله بوصفه إعلانا عن مستقبل الأدب أو بديلا عن الكاتب البشري. حسب تصريحاته، أراد “استكشاف أرض مجهولة، ومعرفة كيف يتعامل الذكاء الاصطناعي مع اللغة ويرسم المشاهد”، بهدف مقارنة ناتج الآلة بالعمل الأدبي البشري. كانت النية الأولى أقرب إلى مادة دراسية: توفير نص يمكن لطلاب علم الاجتماع في الجامعة تحليله كحالة مقارنة، لا عملا يُقدَّم للجمهور العام بوصفه إنجازا إبداعيا مكتملا.
هذا الفارق في النية يغيّر الكثير في كيفية قراءة التجربة. رواية “خيانة في المغرب” ليست محاولة لاستبدال الروائي، بل مرآة يضعها روائي أمام أداة جديدة ليرى ما تعكسه، وما تعجز عن عكسه. القيمة هنا ليست في النتيجة الأدبية بحد ذاتها، بل في التشخيص الذي يقدمه صاحب التجربة بعد أن أنهاها.
لغة بلا ندبة
التشخيص الذي خرج به لطفي كان قاسيا بقدر ما هو دقيق: الذكاء الاصطناعي “يستخدم لغة عربية مبسطة وأساسية، تفتقر إلى أي تقنيات أسلوبية”، وأي نسخة مصقولة الأسلوب من نص مماثل “يجب افتراض أنها حُررت من قبل كاتب بشري”. بعبارة أخرى، الآلة تنتج جملا صحيحة نحويا، لكنها جملا بلا تاريخ شخصي يثقلها، بلا ندبة أسلوبية تدل على أن كاتبها مرّ بتجربة صعبة صاغت طريقته في الكتابة.
هذا بالضبط ما يفرّق الأسلوب الأدبي الحقيقي عن محاكاته: الأسلوب ليس مجرد اختيار كلمات جميلة، بل أثر تراكمي لقرارات كتابية اتخذها إنسان محدد عبر سنوات، تشكّلت بفعل قراءاته وإخفاقاته ولحظاته الحرجة. النموذج اللغوي يمكنه محاكاة نمط هذه القرارات إحصائيا، لكنه لا يملك تاريخا شخصيا أنتجها أصلا.
من يروي الألم؟
المقاومة الأعمق التي توقعها لطفي لدى الأوساط الأدبية العربية لا تتعلق بجودة النص التقنية، بل بسؤال أكثر جذرية: هل سيتقبل الناس أن يروي كيان لم يعرف الألم قط معاناتهم ومشاعرهم الحقيقية؟ هذا السؤال يتجاوز النقاش الفني المعتاد حول “هل يمكن للآلة أن تكتب جيدا”، لينتقل إلى سؤال أخلاقي وجودي: من يملك الشرعية لرواية التجربة الإنسانية إن لم يكن قد عاشها؟
وبرغم هذا الوعي بحجم المقاومة المتوقعة، لا يرى لطفي في التجربة عبثا. يصفها بأنها “عرض جديد يستحق أن يُختبر، ولو فقط لتكوين رأي صائب بشأنه”، وهو موقف وسطي نادر في نقاش غالبا ما يستقطب بين الرفض التام والحماس المفرط.
يبقى عنوان الرواية هو أصدق ملخص لما تكشفه هذه التجربة. الخيانة التي يخشاها الأدب العربي من الذكاء الاصطناعي ليست أن تكتب الآلة جملة جميلة، فهذا ممكن تقنيا وربما متاح فعلا اليوم. الخيانة الحقيقية هي أن يُقبل يوما ما سردا لمعاناة لم تُعَش، وأن يُنسى الفارق بين من يصف الألم من الخارج، ومن كتب عنه لأنه لم يجد مفرا آخر منه.