موظفة تستمع إلى فصل من رواية عربية وهي عالقة في زحمة سير صباحية بالقاهرة، سماعتان في أذنيها بدل كتاب ورقي في يديها. هذا المشهد يتكرر يوميا لملايين المستخدمين العرب الذين لم يعودوا يجدون وقتا للجلوس والقراءة التقليدية، لكنهم وجدوا في الكتاب المسموع بديلا يناسب إيقاع حياتهم المزدحم. السوق العالمي للكتب المسموعة يتوسع بسرعة لافتة، متوقعا أن يصل إلى 29.51 مليار دولار خلال 2026 وحدها، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 27.06% (Coherent Market Insights).
نمو سريع من قاعدة صغيرة لكنها واعدة
منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا ما زالت تمثل حصة صغيرة نسبيا من هذا السوق العالمي - نحو 2.8% فقط من الإيرادات عام 2026 - لكنها تحمل أعلى معدل نمو متوقع بين كل المناطق، بواقع 28.4% سنويا حتى 2035، مدفوعة بقاعدة سكانية تتجاوز 1.6 مليار نسمة لم تُستثمر بعد بالكامل في هذا القطاع. المحتوى العربي والأفريقي أصبح يمثل اليوم 27% من الكتالوج الإقليمي، بعدما كان هامشيا قبل سنوات قليلة، فيما أعلنت منصة “ستوريتل الشرق الأوسط” عن نمو في مشتركيها بلغ 67% خلال 2025 بفضل توسيع مكتبتها من العناوين العربية عبر الإمارات والسعودية ومصر.
عادة استماع تحل محل عادة قراءة لم تترسخ أصلا
جزء من سر انتشار الكتاب المسموع في المنطقة العربية تحديدا لا يكمن فقط في راحته العملية، بل في أنه يتجاوز عائقا ثقافيا قديما: معدلات القراءة الورقية التقليدية في العالم العربي ظلت لعقود أقل من نظيراتها العالمية، لأسباب تتعلق بتوفر الكتب وأسعارها وعادات اجتماعية لم تُرسّخ القراءة كطقس يومي منذ الطفولة. الكتاب المسموع، بخلاف ذلك، يندمج بسهولة في أوقات كانت “ميتة” أصلا من الناحية الفكرية - القيادة، الرياضة، الأعمال المنزلية - دون أن يتطلب تخصيص وقت جديد بالكامل كما تتطلبه القراءة الورقية التقليدية.
هل يُنتج هذا النمو كتّابا عربا جددا أم يستهلك فقط ما هو مترجم؟
يبقى التحدي الحقيقي أمام هذه الموجة أن يتحول النمو في الاستهلاك إلى نمو موازٍ في الإنتاج المحلي الأصيل: فحصة المحتوى العربي في الكتالوج، رغم ارتفاعها، ما زالت تعتمد جزئيا على ترجمة أعمال أجنبية أكثر من اعتمادها على إنتاج أصلي عربي بالكامل. المنصات المحلية التي بدأت بإنتاج محتوى عربي حصري تراهن على أن هذا الجيل، الذي اعتاد الاستماع بدل القراءة، سيصبح تدريجيا جمهورا وفيا لكتّاب وقصص عربية أصيلة، لا مجرد مستهلك لنسخ مسموعة من أدب مستورد بالكامل.