عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
حوكمة

الرحيل الصامت

Abderahmane Hellal · 13 يوليو 2026

لا يحمل الرحيل هذه المرة قاربا ولا حدودا مغلقة، بل حقيبة سفر ووظيفة موقّعة سلفا في مدينة أخرى. طبيب ينهي تخصصه في مستشفى عربي، ثم يقبل عرضا في أوروبا أو الخليج بعد أشهر قليلة. مهندسة برمجيات تعمل عن بعد لشركة أجنبية من دون أن تغادر شقتها، لكنها فعليا لم تعد جزءا من الاقتصاد المحلي. هذا هو وجه هجرة الأدمغة العربية اليوم: الوطن العربي يساهم بنحو 31% من إجمالي الكفاءات المهاجرة من الدول النامية، فيما تصل نسبة هجرة الأطباء وحدهم إلى قرابة 50%، والمهندسين إلى 23%، والعلماء إلى 15% (كرَبلاء إنتل, 2026).

ما الذي يدفع الكفاءة للرحيل؟

الأسباب التي تدفع الأطباء والمهندسين والعلماء للرحيل ليست غامضة، لكنها متشابكة. غياب الاستقرار السياسي في بعض البلدان يجعل التخطيط لمستقبل مهني طويل الأمد أشبه بالمقامرة. النزاعات المسلحة لا تدمر فقط البنية التحتية، بل تدفع الكفاءات إلى البحث عن “ملاذ آمن” يحمي حريتهم في العمل والإبداع دون خوف من الاستهداف (هجرة العقول العربية, 2026). لكن إلى جانب أسباب النزاع الواضحة، هناك سبب أكثر هدوءا وانتشارا: الفجوة بين مستوى التأهيل الذي يحصل عليه الخريج العربي، والفرص الفعلية المتاحة له محليا من حيث الراتب وبيئة العمل وفرص التطور المهني.

هذه الفجوة تحديدا هي ما يجعل الهجرة اليوم مختلفة عن موجات سابقة: لم تعد قرارا يُتخذ في لحظة أزمة حادة، بل خيارا عقلانيا هادئا يزنه الشاب أو الشابة مقابل البقاء، وغالبا ما تكسبه المقارنة لصالح الخارج.

كلفة لا تظهر في الميزانية

الأثر الأخطر لهذه الظاهرة أنه لا يظهر في أي بند مالي مباشر. لا توجد فاتورة تُرسَل إلى الدولة تخبرها بأنها خسرت طبيبا استثمرت في تعليمه لسنوات، أو مهندسة ستبني كفاءتها اقتصادا آخر بدل اقتصادها الأصلي. الخسارة تتراكم بصمت: مستشفى ينتظر تخصصا نادرا لا يجده، وشركة تقنية ناشئة تعجز عن إيجاد الكفاءة التي تحتاجها محليا فتضطر لاستقدامها من الخارج بتكلفة أعلى. هذا الاستنزاف يمثل خسارة حقيقية لشريحة مؤثرة وفاعلة في المجتمع، تأتي في وقت تحتاج فيه البلدان العربية أكثر من أي وقت مضى إلى الكفاءات العلمية والأيدي العاملة المدربة لدفع عجلة التنمية (اليوم السابع, 2026).

هل يمكن عكس الاتجاه؟

بعض المقترحات تدور حول سياسات لجذب الكفاءات للعودة: فرص اقتصادية حقيقية، رواتب تنافسية، ومسارات وظيفية تستثمر خبرة من عاشوا وعملوا في الخارج بدل معاملتهم كغرباء عادوا إلى نظام لم يتغير أثناء غيابهم. لكن هذه المقترحات تصطدم بواقع أن الكفاءة التي رحلت غالبا ما بنت شبكة علاقات ومسارا مهنيا واستقرارا أسريا في بلد جديد، وأن إقناعها بالعودة يتطلب أكثر من خطاب وطني عاطفي؛ يتطلب أن يكون العرض الجديد أفضل فعليا من الوضع الذي غادرت من أجله، لا مجرد استعادة لما تركته خلفها.


قد يعجبك أيضاً

حوكمة

المقعد المحجوز مسبقا

بدأت السعودية في نوفمبر 2025 أضخم مراحل توطين الوظائف منذ 2021، بإلغاء الفئة الصفراء ورفع حصص السعودة في القطاع الخاص. قراءة في نظام «نطاقات» وكيف يعيد رسم خريطة سوق العمل بين المواطن والوافد.

اقرأ المزيد
حوكمة

كفيل بلا سلطة

السعودية تستبدل تدريجيا نظام الكفالة بمبادرة "تحسين العلاقة التعاقدية" التي تسمح للعامل الوافد بالانتقال بين أصحاب العمل دون موافقة الكفيل، ضمن إصلاحات يُتوقع أن تضيف 200 ألف وظيفة. قراءة في نهاية هادئة لنظام حكم علاقة العمل في الخليج لعقود.

اقرأ المزيد
مجتمع

الجيل الذي لم يغادر

شاب في أواخر العشرينات، وظيفة ثابتة، لكنه ما زال ينام في غرفته القديمة عند والديه. قراءة في ظاهرة تأجيل الاستقلال السكني بين الشباب العربي، وكيف تحولت العودة إلى بيت العائلة من فشل شخصي إلى قرار اقتصادي رشيد.

اقرأ المزيد