شركة كانت تصنَّف “صفراء” منذ سنوات، وهي فئة وسطى تسمح لها بالاستمرار دون عقوبات كبرى رغم عدم بلوغها نسب التوطين المطلوبة بالكامل. في نوفمبر 2025، اختفت هذه الفئة تماما من النظام، وأُعيد تصنيف كل من كان فيها إلى الفئة “الحمراء” مباشرة، ما يعني حظر تجديد تأشيرات العمل، وتعطيل الخدمات الحكومية، وفقدان الحق في الاحتفاظ بالموظفين الوافدين الحاليين. هذا التحول جزء من أضخم مرحلة تحديث لنظام “نطاقات” السعودي منذ إصلاحاته الكبرى عام 2021، إذ أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية دورة جديدة مدتها ثلاث سنوات تمتد من نوفمبر 2025 حتى أبريل 2026، رافعة نسب السعودة المطلوبة في معظم القطاعات وربطتها بالتوثيق الرقمي للعقود عبر منصة “قوى” (Middle East Briefing, 2026).
هدف الرقم واضح: 340 ألف وظيفة إضافية
الطموح المعلن خلف هذه الموجة من التحديثات محدد بدقة: توطين أكثر من 340 ألف وظيفة إضافية في القطاع الخاص بحلول 2028. المؤشرات الأولية تبدو مشجعة من زاوية الأرقام الرسمية: بحلول 2024، انخفضت نسبة البطالة بين السعوديين إلى 7%، وارتفع تشغيل السعوديين في القطاع الخاص بنسبة 12% خلال العام نفسه (وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية). التوسع لم يعد مقتصرا على القطاعات التقليدية كالتجزئة، بل امتد إلى التقنية والسياحة والخدمات المهنية، وهي قطاعات كانت تعتمد بشكل كبير على الكفاءات الوافدة.
من يتحمل كلفة الانتقال؟
لكن خلف هذه الأرقام الإيجابية تكمن كلفة حقيقية يتحملها طرفان مختلفان بشكل غير متساوٍ. الأبحاث الأكاديمية حول سياسات التوطين تشير إلى أن هذه السياسات تحقق فعلا نتائج ملموسة في خلق وظائف للمواطنين، لكنها تُظهر عوائد متناقصة مع الوقت، بينما تفرض تكلفة واضحة على العمالة الوافدة: تقييد فرص العمل المتاحة أمامها، وضغط على الرواتب، وشعور دائم بعدم استقرار وضعها القانوني مرهون بقرارات تصنيف قد تتغير كل بضعة أشهر (Growth Lab - جامعة هارفارد). الشركات بدورها تجد نفسها أمام معادلة صعبة: الاحتفاظ بموظف وافد ذي خبرة متراكمة يصطدم بمخاطر تصنيف قد يعطل العمل بالكامل، مقابل توظيف مواطن قد يحتاج وقتا لبناء نفس مستوى الخبرة.
سوق عمل يُعاد رسمه بقرار لا بتدرج طبيعي
ما يميز هذه اللحظة عن التحولات الاقتصادية المعتادة هو سرعتها المفروضة: عادة ما تتغير خرائط سوق العمل تدريجيا مع تغير التعليم والمهارات والاقتصاد، لكن هنا يُعاد الترتيب بقرار إداري مباشر، له جدول زمني محدد وحصص رقمية صارمة. هذا يخلق احتكاكا حتميا في المرحلة الانتقالية، بين رغبة مشروعة في توفير فرص للمواطنين، وواقع اقتصادي بُني لعقود على اعتماد كبير على مهارات وافدة يصعب تعويضها بين ليلة وضحاها. السؤال الذي سيحدد نجاح هذه السياسة ليس فقط كم وظيفة تم توطينها، بل هل ستحافظ الشركات المتضررة على إنتاجيتها خلال فترة إعادة الترتيب هذه، أم ستدفع كلفة الانتقال من جودة الخدمة والكفاءة قبل أن يستقر الميزان الجديد.