عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
علم وتقنية

لماذا فشل الحارس العلمي؟

Abderahmane Hellal · 27 يونيو 2026

في عام 2022، نشر الباحث النفسي آدم ماسترونياني مقالا أثار جدلا واسعا بعنوان “صعود التحكيم العلمي وسقوطه” (Experimental History, Adam Mastroianni, 2022)، وفيه يجادل بأن التحكيم العلمي في صورته الحديثة ليس تقليدا راسخا في تاريخ العلم بل تجربة بدأت في السبعينيات من القرن العشرين، وأن الأدلة تُشير إلى أنها فشلت في معظم أهدافها المُعلنة.

متى بدأ التحكيم العلمي فعلا؟

يُفاجئ ماسترونياني كثيرا من الأكاديميين حين يُشير إلى أن التحكيم العلمي المنهجي قبل النشر لم يُصبح معيارا في معظم المجلات العلمية الكبرى إلا بعد عام 1970. قبل ذلك، كان كثير من الأعمال العلمية الكبرى يُنشر بقرار محرر المجلة، أو يُعرض على زميل واحد بشكل غير رسمي، أو ينشر بعد مراسلة قصيرة. نيوتن وداروين وإينشتاين نشروا أعمالهم الكبرى بلا تحكيم منهجي بالمعنى الحديث.

هذه الملاحظة لا تعني أن التحكيم غير ضروري بطبيعته، بل تطرح سؤالا لا مفر منه: إذا كانت العلوم تُنتج معرفة راسخة قبل التحكيم المنهجي، فما الذي أضافه فعلا؟ وهل الإضافة تُكافئ التكاليف التي فرضها على الباحثين والمجلات والعلم ذاته؟

ما يُفترض أن يفعله التحكيم وما يفعله

الوظيفة المُعلنة للتحكيم العلمي ثلاثية: اكتشاف الأخطاء قبل النشر، تصفية الأبحاث ضعيفة الجودة، وتحديد ما هو مهم ويستحق النشر. ماسترونياني يعرض أدلة على إخفاق الوظائف الثلاث.

أما اكتشاف الأخطاء، فتجارب الإرسال المتعمد لأوراق بحثية مُفتعلة الأخطاء كشفت أن المحكّمين يُفوّتون نسبا كبيرة من الأخطاء المدسوسة (BMJ, peer review quality, 2010). مجلات علمية كبرى نشرت أبحاثا اضطُرّت لاحقا إلى سحبها لأسباب كان يجب اكتشافها في مرحلة التحكيم.

وأما تصفية الجودة، فأزمة قابلية الاستنساخ تُشير إلى أن نسبة كبيرة من النتائج المنشورة في مجلات محكّمة رفيعة لا يمكن استنساخها في تجارب لاحقة (Open Science Collaboration, 2015). أي أن التحكيم لم يُصفِّ بما يكفي، أو صفّى بمعايير لا تتقاطع مع الصحة الفعلية.

وأما تحديد الأهمية، فأعمال أساسية عديدة رُفضت أولا قبل أن تُقبل في مجلات أخرى وتُشكّل توجهات علمية بأكملها. والحكم على أهمية بحث في لحظة نشره صعب بطبيعته، لأن الأهمية تتجلى في أغلب الأحيان مع الوقت لا في حكم لجنة محدودة.

نظام الإجازة في التراث الإسلامي

التراث الإسلامي طوّر نظاما مختلفا لضمان جودة المعرفة وانتقالها: الإجازة والسماع والرواية. لنقل معرفة معينة كانت تُشترط إجازة من شيخ أتقن ذلك العلم وأذن بنقله. هذا النظام لم يكن تحكيما قبل النشر بل ضمانا لسلسلة النقل ذاتها.

الفارق الجوهري بين النظامين: التحكيم العلمي الحديث يُقيّم النص لحظيا في عزله النسبي عن صاحبه. نظام الإجازة يُقيّم الناقل لا النص فحسب، ويضع المسؤولية في سلسلة بشرية موثّقة لا في لجنة مجهولة. قضاة الحديث كانوا يُضعّفون من ثبت عليه الوهم في الرواية ولو كان عالما جليلا في غير ذلك، ويُوثّقون هذا الحكم لمن يأتي بعدهم. هذا نوع من التحكيم يُركّز على المصداقية التاريخية والسمعة الموثّقة لا على التقييم المجهول اللحظي.

الطريفة في هذا المقارنة أن نظام الإجازة الإسلامي كان أكثر شفافية في جانب جوهري: المُجيز اسمه معروف، ومسؤوليته شخصية، وحكمه موثّق في الكتب ويُمكن الطعن فيه علنا. المحكّم في المجلات العلمية الحديثة غالبا مجهول الهوية، مما يُزيل المساءلة الشخصية ويخلق نظاما لا يُعرف فيه من يتحمل مسؤولية قبول بحث خاطئ.

بعد التحكيم: ما البديل؟

ماسترونياني لا يُطالب بإلغاء التحكيم بل بإعادة التفكير فيه. من مقترحاته: نشر البيانات الخام والمنهج مفتوحا قبل النتائج، وتشجيع التسجيل المسبق للتجارب لمنع تحيّز النشر بعد معرفة النتائج، وتطوير نماذج تحكيم ما بعد النشر حيث يأتي النقد والتقييم من المجتمع العلمي الأوسع بعد النشر لا قبله.

هذا يتصل بما طرحناه في مقال لماذا توقف الاختراع الحقيقي؟: البيئة المؤسسية التي تُكافئ على النشر لا على الاكتشاف، وتُقيّم البحث بعدد الأوراق المنشورة لا بعمق الأثر، ساهمت في تقليص نسبة الاختراع الجذري. التحكيم في صورته الحالية جزء من هذه المنظومة التي تُكافئ التحسين التدريجي على المخاطرة بأفكار جذرية.

ليس من قبيل الصدفة أن العلوم شهدت ازدهارا كبيرا في فترات كانت فيها الأفكار تنتقل بحرية أكبر وبقيود بوّاب أقل صرامة. الحارس ضروري، لكن الحارس الذي يُنتج الأمان الزائف ويُضيف عبئا بيروقراطيا دون أن يُحقق وظيفته أخطر من غيابه: إنه يُوهم المجتمع العلمي والجمهور بأن ما نُشر قد خضع لفحص صارم، وهذه الثقة الزائفة تُصعّب بدورها اكتشاف الأخطاء حين تظهر.


قد يعجبك أيضاً

علم وتقنية

برمجة بلا معرفة البرمجة

سوق «البرمجة بالحدس» بمساعدة الذكاء الاصطناعي تجاوز 4.7 مليار دولار عالميا، و63% من مستخدميه ليسوا مبرمجين أصلا. قراءة في كيف أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي لجيل من الشباب العربي بناء تطبيقات كاملة دون أن يكتبوا سطر كود واحد بأنفسهم.

اقرأ المزيد
علم وتقنية

قمار بواجهة أنيقة

3 ملايين سعودي يتداولون العملات الرقمية اليوم، وتدفقات العملات المشفرة في المملكة قفزت 153% خلال عام واحد. قراءة في كيف تحولت شاشة الهاتف إلى طاولة مقامرة يومية لجيل يبحث عن ثروة سريعة بضغطة إصبع.

اقرأ المزيد
علم وتقنية

مطعم بلا طاولات

7.9 مليون مستخدم في السعودية و3.6 مليون في مصر يطلبون طعامهم يوميا دون أن يعرفوا أن المطبخ الذي يطهو لهم لا يملك واجهة ولا يافطة ولا مكانا للجلوس. قراءة في صعود «المطابخ السحابية» وإعادة تشكيلها لاقتصاد الطعام العربي.

اقرأ المزيد