عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
علم وتقنية

لماذا توقف الاختراع الحقيقي؟

Abderahmane Hellal · 27 يونيو 2026

في عام 2014، نشر الكاتب مايكل هانلون مقالا في مجلة Aeon بعنوان “الربع الذهبي” (aeon.co/essays/science-was-golden, 2014)، وقدّم فيه ملاحظة مزعجة: الفترة الممتدة بين عامَي 1945 و1971 كانت على الأرجح أكثر حقب التاريخ البشري ثراء بالاختراع الجذري. المضادات الحيوية واسعة النطاق، الطائرة النفاثة، الثورة الخضراء في الزراعة، حبوب منع الحمل، التليفزيون الملون، شرائح السيليكون، رحلة الإنسان إلى القمر، الإنترنت في جذوره المبكرة: كل هذا وأكثر في ستة وعشرين عاما. ثم توقف شيء ما. ليس التطوير والتحسين، بل نوع آخر من التقدم.

الفارق بين التحسين والاختراع

هانلون يُميّز بين نوعين من التقدم: التحسين التراكمي داخل إطار قائم، وإعادة رسم الإطار نفسه من أساسه. هاتفك اليوم أسرع بملايين المرات من الحاسوب الذي أرسل رائد الفضاء إلى القمر، لكنه لم يفعل ذلك بإعادة اختراع طريقة الحوسبة؛ بل بتكثيف ما كان موجودا بالفعل. السيارة الكهربائية لم تبتكر المحرك الكهربائي؛ أعادت تطبيقه بكفاءة أعلى وتكلفة أقل. المشكلة ليست أن التقدم توقف، بل أن النوع الذي يفتح أبوابا لم تكن موجودة أصلا بات نادرا بشكل ملحوظ.

يصف هانلون هذا الفارق بـ”الاختراع الأفقي” في مقابل “الاختراع الرأسي”: الأفقي هو نشر تقنية قائمة على نطاق أوسع وبكفاءة أعلى وسعر أرخص، والرأسي هو اكتشاف مبدأ جديد تُبنى عليه تقنيات لم تكن ممكنة قبله من حيث المبدأ. المضاد الحيوي اختراع رأسي: فتح بابا لعالم حيث الإنسان لا يموت من عدوى جرح صغير. الإنترنت في جوهره اختراع رأسي: أنشأ نمطا من التواصل لم يكن مفهوما حتى بالتجريد النظري قبله. أما الهاتف الأرخص والأسرع فاختراع أفقي، رغم أهميته الضخمة. ما يُقلق هانلون هو الانتقال من الرأسي إلى الأفقي بوصفه نمطا سائدا.

العصر الذهبي الإسلامي والسؤال الموازي

ثمة فترة تاريخية أخرى تستحق المقارنة: العصر الذهبي الإسلامي الممتد تقريبا بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلاديين. في هذه الحقبة وُضعت أسس لا يزال البشر يبنون عليها: الجبر كنظام حسابي مكتمل عند الخوارزمي، علم البصريات التجريبي عند ابن الهيثم الذي فتح الطريق لكل ما بعده من تلسكوبات وكاميرات وميكروسكوبات، الطب الإكلينيكي المنهجي عند ابن سينا الذي ظل مرجعا في أوروبا حتى القرن السابع عشر، الجغرافيا الرياضية عند الإدريسي.

ثم توقف شيء مشابه. التقدم لم يتوقف دفعة واحدة، لكن النوع الرأسي من الاختراع تراجع تدريجيا إلى حد ملحوظ. والسؤال الذي يطرحه المؤرخون على العصر الذهبي الإسلامي هو السؤال ذاته الذي يطرحه هانلون على ما بعد 1971: ما الذي كان موجودا حين كان الاختراع الجذري يحدث، وما الذي غاب حين توقف؟

ما الذي يتيح الاختراع الجذري؟

المقارنة بين الحالتين تكشف عن عوامل مشتركة. الأولى: التمويل الأيديولوجي قبل التمويل المالي. بغداد العباسية لم تموّل بيت الحكمة لأسباب ربحية قصيرة المدى؛ كان ثمة مشروع عقلاني تؤمن به الدولة مؤسسيا، يرى في المعرفة قيمة تستحق الاستثمار حتى حين لا يعرف المستثمر ما الذي ستُنتج. ما بعد الحرب العالمية الثانية في الغرب كان مشابها: مشاريع ضخمة مموّلة حكوميا بلا أفق ربحي واضح أنتجت الإنترنت والرادار وشبه الموصلات لأن الدولة آمنت بالبحث ذريعةً استراتيجية قبل أن يكون له عائد اقتصادي مباشر.

الثانية: القبول المؤسسي بالفشل الجزئي. الباحث الذي لا يُكافأ إلا على النجاح القابل للقياس في غضون سنتين لن يجازف بسؤال يستغرق الإجابة عنه عقدا. مختبرات بيل في ذروتها أعطت علماءها وقتا حرا لا يُسأل عنه ولا يُبرَّر. هذه الحرية كلفت مالا لكنها أنتجت الترانزيستور الذي كل تقنية يعتمد عليها العالم اليوم تعود جذورها إليه. والجامعات الإسلامية في لحظات ذروتها كانت تمنح المنح الطويلة لعلماء يعملون على مسائل لا يعرف أحد إن كانت ستُنتج شيئا مفيدا.

الثالثة: شبكة من المتخصصين المتبادلين التأثير عبر التخصصات. علم البصريات عند ابن الهيثم تغذّى من الرياضيات اليونانية التي ترجمها العرب، ومن التجارب العملية التي أجراها في القاهرة، ومن تيار فكري يرى التجريب سبيلا للمعرفة لا مجرد توثيق لها. الفيزياء الكمية في أوائل القرن العشرين حدثت في شبكة من العلماء الذين يعرفون بعضهم ويتحدّون بعضهم في مؤتمرات غير رسمية، بينما كانوا ينتمون رسميا إلى تخصصات مختلفة.

لماذا توقف الربع الذهبي؟

هانلون يقترح عدة تفسيرات لما جرى بعد 1971: النفور المتزايد من المخاطرة في المؤسسات البحثية، انتقال التمويل نحو ما يقبل القياس الفوري ويُنتج براءات اختراع قابلة للتسويق، ضغط المساهمين على الشركات الكبرى لتقليص البحث الأساسي لصالح التطوير التطبيقي. لكنه يُضيف ملاحظة أشد إزعاجا: ربما الفاكهة المتدنية قُطفت كلها. الاختراعات الكبرى التي بدّلت كل شيء كانت تجيب على أسئلة ملحة بأدوات بسيطة نسبيا. ما تبقى من أسئلة جذرية يستلزم إجابات أعقد وأغلى وأطول أجلا.

في العصر الذهبي الإسلامي يرى كثير من المؤرخين أسبابا مختلفة: التركيز التدريجي للتمويل على اللاهوت الدفاعي في مواجهة التحديات الداخلية، الغزوات المتعاقبة التي أربكت الاستمرارية المؤسسية، وما وصفه ابن خلدون من ضعف التماسك المؤسسي في مرحلة الترف حيث يصبح الاستثمار في المعرفة بعيدة المدى أقل جاذبية من صون ما تراكم. كذلك لعب التضييق التدريجي لتعريف “المعرفة المشروعة” دورا في تقليص المساحة التي يمكن للعلم التجريبي أن يتحرك فيها.

الأسباب مختلفة لكن النتيجة متشابهة: حين ينتقل الإطار العام من تشجيع السؤال الجذري إلى تشجيع الإجابة الآمنة، يتراجع الاختراع الرأسي ببطء وبلا إعلان.

هل يمكن أن يتكرر الربع الذهبي؟

لا يقدم هانلون وصفة، والتاريخ لا يُوفرها. لكنه يُشير إلى بعض الإشارات المقلقة: الوقت الذي يقضيه الباحثون اليوم في كتابة طلبات التمويل وتقارير التقدم بدل البحث، تضاؤل حجم مختبرات البحث الأساسي في الشركات الكبرى، الانتقال من النشر لأجل المعرفة إلى النشر لأجل مقاييس التأثير. كل هذا يصب في بيئة تُكافئ التحسين أكثر مما تُكافئ الاختراع.

الذكاء الاصطناعي التوليدي يُطرح اليوم باعتباره ربما مفتاح ربع ذهبي جديد: أداة قادرة على تسريع البحث الأساسي بشكل يُعيد رسم الإطار. هذا ممكن نظريا، لكن الأداة وحدها لم تكن يوما الشرط الكافي، بل كانت البيئة المؤسسية التي تُفيد الأداة. مختبر يملك أفضل الأدوات وأكثرها مالا لكنه يُكافئ فقط ما يمكن قياسه في سنتين لن يُنتج اختراعا رأسيا حتى لو امتلك الذكاء الاصطناعي الأقوى.

في العالم العربي والإسلامي، السؤال مضاعف كما ناقشنا في مقال دفاتر الذاكرة: ليس فقط كيف تستعيد نمط الاختراع الرأسي، بل كيف تبني أولا المؤسسات التي تُتيح ذلك في سياق حيث لم يحدث مثله في القرنين الأخيرين. التاريخ يقترح أن الشرط الأول ليس المختبر ولا التمويل، بل قناعة ثقافية راسخة بأن السؤال الذي لا يعرف أحد إجابته بعد يستحق أن يُمول ويُكرَّم. دون هذه القناعة، تُبنى مختبرات لكنها تُنتج تطويرا لا اختراعا.


قد يعجبك أيضاً

فلسفة

الفراغ باعتباره مقاومة

مارك سلوكا يجادل في Harper's بأن الانشغال المستمر ليس مصادفة بل فرض إيديولوجي، لأن الإنسان المنشغل لا يُفكّر ولا يُقاوم. ما الذي يعنيه هذا للفراغ في الإسلام وفي حياتنا اليوم؟

اقرأ المزيد
علم وتقنية

برمجة بلا معرفة البرمجة

سوق «البرمجة بالحدس» بمساعدة الذكاء الاصطناعي تجاوز 4.7 مليار دولار عالميا، و63% من مستخدميه ليسوا مبرمجين أصلا. قراءة في كيف أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي لجيل من الشباب العربي بناء تطبيقات كاملة دون أن يكتبوا سطر كود واحد بأنفسهم.

اقرأ المزيد