في نهاية كل سنة إدارية، تنشر كثير من الوزارات والشركات تقريرا يسرد عشرات المبادرات التي نُفِّذت: ورش عمل عُقدت، منصات أُطلقت، اجتماعات حصلت. النشاط حقيقي وموثق بالصور والتواريخ، لكن السؤال الذي يندر أن يُطرح بصراحة هو: ماذا تغير فعلا، عند من، وبأي قدر؟ هذا هو السؤال الذي يضعه جيف غوتيلف وجوش سايدن في صلب كتابهما “من يفعل ماذا بأي قدر؟”، حيث يقترحان معادلة من ثلاثة عناصر: من هو العميل المستهدف، وما السلوك الذي نريده منه أن يتغير، وبأي قدر قابل للقياس (Wisewords.blog). المعادلة بسيطة في صياغتها، لكنها تكشف خللا قديما يتكرر في كل مؤسسة تخلط بين العمل والإنجاز.
فخ العمل المرئي
الفكرة المحورية في الكتاب هي التمييز بين المخرجات والنتائج: المخرجات هي ما تنتجه فعليا، تقرير أو ميزة برمجية أو حملة توعية، أما النتائج فهي التغيير الذي يحدث في سلوك من تستهدفه تلك المخرجات. فريق تقني قد يُطلق عشر ميزات في فصل واحد، فيبدو نشيطا للغاية، بينما يبقى عدد المستخدمين الذين يحققون الهدف الذي بُنيت من أجله المنتج كما هو أو أقل. المخرج هنا حقيقي، يمكن الإشارة إليه وتصويره، لكنه ليس النتيجة التي كان يفترض أن يخدمها.
هذا الفخ مريح لأنه يمنح شعورا بالإنجاز دون أن يفرض المساءلة الأصعب: هل تغير شيء حقا؟ المؤسسة التي تقيس نفسها بعدد ما أنتجته تستطيع أن تستمر سنوات وهي تشعر بالرضا، بينما المؤسسة التي تقيس نفسها بما تغير عند من تخدمهم مضطرة لمواجهة احتمال أن كل ذلك النشاط لم يحرك شيئا. الفارق بين الاثنتين ليس في الجهد المبذول، بل في الشجاعة على طرح السؤال الذي قد تأتي إجابته محرجة.
يلاحظ غوتيلف وسايدن أن هذا الانتقال من قياس المخرجات إلى قياس النتائج يتطلب تغييرا في موقع السلطة داخل المؤسسة، لا في الأدوات فقط. الإدارة التي تطلب من فرقها تسليم عدد محدد من المهام تستطيع أن تتحكم بدقة في كل خطوة، أما الإدارة التي تطلب نتيجة سلوكية محددة فمضطرة أن تترك للفريق حرية اختيار الطريقة، لأن لا أحد يعرف مسبقا أي مخرج بالضبط سيحقق التغيير المطلوب. هذا ما يسميه الكتاب الانتقال من إدارة الأوامر إلى استقلالية موزونة بمحاذاة هدف مشترك، وهو انتقال أصعب نفسيا من أي إصلاح إجرائي، لأنه يطلب من القائد أن يتنازل عن وهم التحكم الكامل في مقابل فرصة أكبر لتحقيق أثر حقيقي.
الدولة التي تبني ولا تُعمّر
هذا التمييز ليس وليد عصر الشركات الناشئة وأطر العمل الإدارية الحديثة. ابن خلدون، في مقدمته، يفرق بين توسع الدولة في العمران الظاهر، كالقصور والجيوش والمنشآت، وبين العمران الحقيقي الذي يقيسه بازدهار الفلاحة والتجارة وقدرة الناس على العيش الكريم. يلاحظ أن الدول، في طور انحدارها، تميل إلى مضاعفة الإنفاق على المظاهر التي تُرى، تحصينات وزينة ومواكب، في اللحظة نفسها التي يتراجع فيها العمران الحقيقي الذي تقوم عليه قدرتها. المخرج، أي البناء الظاهر، يتضخم، بينما تذبل النتيجة التي يفترض أن يخدمها، وهي رخاء الناس فعليا.
من يقرأ هذا التشخيص اليوم يجد فيه السؤال نفسه الذي يطرحه كتاب “من يفعل ماذا بأي قدر؟” بصياغة مختلفة. الدولة التي تبني ولا تُعمّر تشبه الفريق الذي يُطلق ميزة بعد ميزة دون أن يسأل إن كان المستخدم قد غيّر سلوكه. الفارق بين العصرين هو المصطلح فقط، أما الخلل فهو أقدم من أي إطار إداري، ويعود كل مرة لأنه أسهل من مواجهة سؤال القياس الحقيقي.
السؤال الثلاثي الذي يفضح الغموض
ميزة معادلة “من، يفعل ماذا، بأي قدر” أنها لا تترك مجالا للهروب إلى أهداف فخمة وغامضة. عبارة مثل “تحسين تجربة المستخدم” أو “رفع الوعي المجتمعي” تبدو طموحة، لكنها لا تخبرك من المستهدف بالضبط، ولا ما الذي ينبغي أن يفعله بشكل مختلف، ولا كيف تعرف أنك نجحت. حين تُجبَر على ملء الفراغات الثلاثة بإجابات محددة، تكتشف أحيانا أن الهدف الذي كنت تعمل من أجله لم يكن واضحا حتى لمن صاغه.
هذا الانضباط في الصياغة قريب من الانضباط الذي يطلبه أي نص جيد: كاتب يكتب جملة مثل “الوضع يتطور” لا يقول شيئا حقيقيا، بينما من يكتب “ارتفع العدد من مئة إلى مئتين بين كانون الثاني وحزيران” يضع نفسه أمام واقع يمكن تفنيده أو تأكيده. غموض اللغة وغموض الأهداف الإدارية ينبعان من مصدر واحد: الرغبة في تأجيل اللحظة التي يُقاس فيها الكلام بمعيار خارجي صلب.
المقاييس التي تكذب بصدق
غير أن التحول من المخرجات إلى النتائج لا يحل المشكلة تلقائيا، لأن النتيجة نفسها يمكن أن تُختزل إلى مقياس مضلل. هذا ما يُعرف بقانون غودهارت: حين يتحول المقياس إلى هدف، يجد الناس طريقة لتحقيقه دون أن يحققوا الغرض الذي وُضع من أجله أصلا. فريق مكافأته مرتبطة بعدد المستخدمين الجدد قد يستقطب مستخدمين لا ينوون الاستمرار، فيرتفع الرقم بصدق دون أن يتغير شيء حقيقي في قيمة المنتج.
نرى نسخة حديثة من هذا الخلل في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث يُحسَّن النموذج لرفع نتيجته في اختبار معياري محدد، فترتفع الدرجة بصدق تام، بينما تبقى قدرته الفعلية على التعامل مع مهمة حقيقية خارج ذلك الاختبار دون تحسن يُذكر، وأحيانا تتراجع. المقياس لا يكذب من حيث الرقم، لكنه يكذب من حيث الدلالة، وهذا أخطر من الكذب الصريح لأنه يمنح ثقة زائفة بالتقدم.
الحل الذي يقترحه الكتاب ليس التخلي عن القياس، بل مضاعفة الحذر في اختيار المقياس نفسه: تفضيل مؤشرات تصعب المراوغة فيها على مؤشرات سهلة الاستيفاء، ومراجعة دورية تسأل ليس فقط “هل تحقق الرقم” بل “هل يعكس هذا الرقم ما كنا نقصده أصلا”. هذه المراجعة المزدوجة، للنتيجة وللمقياس الذي يصفها، هي ما يميز فريقا ناضجا عن فريق يكتفي بتحقيق ما طُلب منه حرفيا دون أن يسأل إن كان الطلب نفسه ما زال يخدم غرضه.
الانضباط الذي يطلبه السؤال
القيمة الحقيقية لمعادلة “من يفعل ماذا بأي قدر؟” ليست في كونها أداة تخطيط جديدة، بل في كونها تذكيرا متكررا بسؤال يسهل تجنبه: هل غيّرنا شيئا فعلا، أم أننا فقط أنتجنا ما يبدو كأنه تغيير؟ هذا السؤال يحتاج انضباطا أقرب إلى ما تناولناه في مقال حرفة الانضباط: القدرة على إيقاف نشاط مريح ومراجعته بدل الدفاع عنه لأنه يستهلك جهدا حقيقيا.
المؤسسات التي تنجو من فخ النشاط المرئي ليست تلك التي تخطط بدقة أكبر من البداية، بل تلك التي تتحمل أن تسأل، بعد كل دورة عمل، السؤال الثلاثي نفسه، وتقبل أن تكون الإجابة محرجة أحيانا. ابن خلدون رأى الدول تسقط لأنها استمرت تبني بينما تراجع عمرانها الحقيقي دون أن يلاحظ أحد. والمؤسسة التي ترفض أن تطرح على نفسها سؤال “من يفعل ماذا بأي قدر” محكومة بأن تكرر الخطأ نفسه، بمسميات وأدوات مختلفة، لكن بالمصير ذاته.
ما يجعل هذا السؤال صعبا ليس تعقيده اللغوي، بل أنه يحرم المؤسسة من الملجأ المعتاد عند الفشل، وهو القول إنها بذلت جهدا كبيرا. الجهد المبذول حقيقة لا تُنكر، لكنه ليس الإجابة على السؤال المطروح. من يتدرب على طرح هذا السؤال بانتظام، فردا أو فريقا أو دولة، يكتسب مع الوقت حساسية تجاه الفارق بين الانشغال والأثر، وهي حساسية لا تُمنح دفعة واحدة، بل تتراكم مثل كل مهارة تحتاج تكرارا صبورا قبل أن تصبح عادة في النظر إلى العمل.