عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
إعلام

مؤثّرة لا تنام

Abderahmane Hellal · 14 يوليو 2026

وجه سعودي، بشرة تُظهر كل مسامها، شعر يتحرك بواقعية كاملة حين تهز رأسها في فيديو ترويجي. لا شيء في المظهر يوحي بأنها غير حقيقية، إلى أن يُذكر اسمها: لمياء عبدالله، إحدى أبرز “المؤثرات” الرقميات في السعودية، وهي بالكامل من صنع الذكاء الاصطناعي. لم تعد هذه الشخصيات الرقمية حبيسة “الوادي الغريب” التقني الذي كان يجعلها تبدو مصطنعة بوضوح قبل سنوات قليلة، بل دخلت مرحلة الواقعية الفائقة التي تجعل التفريق بينها وبين إنسان حقيقي أمرا صعبا بصريا. حملاتها الإعلانية تحقق معدل تفاعل بلغ 5.67% في المتوسط، مقارنة بـ1.89% فقط للمؤثرين البشريين، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف (SQ Magazine, 2026).

من تجربة إلى استراتيجية دائمة

ما بدأ كتجربة تسويقية جريئة تحول بسرعة إلى استراتيجية أساسية: نسبة العلامات التجارية العالمية التي تتبنى المؤثرين الافتراضيين قفزت من 60% إلى 73% خلال عام واحد فقط، بينما تتصدر قطاعات الجمال والعناية الشخصية هذا التبني بنسبة 89% (SQ Magazine, 2026). التوقعات الإقليمية أكثر جرأة: يُتوقع أن تمتلك 70% من كبرى العلامات التجارية التجزئية في الإمارات والسعودية “وجها” رقميا دائما بحلول 2028، أي شخصية افتراضية ثابتة تمثل العلامة عبر كل حملاتها بدل الاعتماد على مؤثرين بشريين متغيرين (Influencer.vip, 2026).

جاذبية اقتصادية لا تُقاوم للعلامات التجارية

المنطق الاقتصادي خلف هذا التحول مباشر تماما: المؤثر الافتراضي لا يتأخر عن موعد تصوير، ولا يطلب زيادة في الأجر بعد نجاح حملة، ولا يتورط في فضيحة تُحرج العلامة التجارية، ولا يشيخ ولا يتعب ولا ينام. يمكن تعديل مظهره وأسلوبه وحتى لهجته في ثوانٍ عبر برمجيات، ليناسب كل حملة وكل سوق فرعي دون أي تكلفة إضافية حقيقية. هذا يجعله من منظور الميزانية التسويقية بديلا “مثاليا” رياضيا، حتى لو ظل يفتقد لعنصر لا يمكن برمجته بسهولة: الثقة الإنسانية الحقيقية التي يبنيها متابع مع شخص يعرف أنه يعيش تجارب حقيقية شبيهة بتجاربه.

حين يفضل المستهلك نفسه الإنسان الحقيقي

هنا يظهر التناقض الأهم في هذه الظاهرة: رغم كل هذا الزخم الاستثماري والتفاعل الرقمي المرتفع، ما زال 68% من المتسوقين في الإمارات والسعودية يفضلون شهادات بشرية حقيقية حين يتعلق الأمر بمشتريات “عالية الاعتبار” كالسلع الفاخرة أو منتجات العناية بالبشرة (Influencer.vip, 2026). بمعنى آخر، الجمهور يتفاعل مع المؤثرة الافتراضية بحماس أكبر رقميا، لكنه لا يثق بها فعليا بنفس القدر حين يحين وقت اتخاذ قرار شراء حقيقي ومكلف. هذه الفجوة بين التفاعل والثقة هي بالضبط ما سيحدد مستقبل هذه الظاهرة: هل ستبقى المؤثرات الافتراضيات أداة تسويقية مكملة، أم أنها ستصطدم عاجلا بحائط الثقة الذي لا يمكن لخوارزمية أن تخترقه مهما بلغت واقعية وجهها؟


قد يعجبك أيضاً

إعلام

صوت من دون وجه

"فضة" أول مذيعة افتراضية بالذكاء الاصطناعي في الكويت، يتابع حسابها أكثر من مليون و200 ألف شخص، وتلتها زميلات افتراضيات في قطر. قراءة في دخول الإعلام العربي عصر المذيعين الذين لا وجود جسديا لهم.

اقرأ المزيد
علم وتقنية

وجه لم يولد قط

أدوات ذكاء اصطناعي عربية متخصصة باتت تنتج حملات إعلانية كاملة الصور والفيديو والنصوص بلغة وثقافة عربيتين دون الحاجة لفرق إنتاج كبيرة أو تصوير ميداني فعلي. قراءة في كيف يستبدل الذكاء الاصطناعي مصورين وموديلات حقيقيين بوجوه لم توجد قط خارج الشاشة.

اقرأ المزيد
حضارة

الفخامة الصامتة

بعد عقد من الشعارات الصارخة على الحقائب والأحزمة، يتحول أثرياء الخليج نحو أقمشة بلا علامة ظاهرة وقصّات بلا اسم. قراءة في صعود «الفخامة الصامتة» وكيف يعيد جيل جديد تعريف معنى أن تبدو غنيا.

اقرأ المزيد