عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
إعلام

صوت من دون وجه

Abderahmane Hellal · 13 يوليو 2026

مقطع مصور مدته أقل من دقيقة: امرأة بشعر فضي ووجه ثابت الملامح تقرأ نشرة أخبار بصوت هادئ لا يتلعثم ولا يتنفس بين الجمل. لا استوديو خلفها، ولا كاميرا صورتها فعليا، فكل شيء فيها، من الصوت إلى الحركة، نتاج تطبيقات ذكاء اصطناعي من أولها لآخرها. هذه هي “فضة”، أول مذيعة افتراضية تعمل بالذكاء الاصطناعي في صحيفة “كويت نيوز”، ويتابع حسابها على تويتر أكثر من مليون ومئتي ألف شخص (سكاي نيوز عربية, 2026). ولم تعد فضة وحيدة؛ فقد بدأت مذيعات افتراضيات أخريات طريقهن المهني في قطر والكويت أيضا (الأناضول, 2026).

اسم مختار بعناية

اختيار اسم “فضة” لم يكن عشوائيا: هو اسم كويتي شعبي قديم يرمز إلى معدن الفضة، تماما كما تبدو معظم تصورات الروبوتات في الخيال الشعبي فضية اللون معدنية الملمس (إرم نيوز, 2026). هذا التفصيل الصغير يكشف وعيا تسويقيا دقيقا: المؤسسة الإعلامية لا تخفي أن مذيعتها اصطناعية، بل تحتفي بذلك عبر اسم يحمل الإشارة صراحة، في محاولة لتطبيع الفكرة بدل تهريبها للجمهور خلسة.

خبر بلا مصدر بشري يُتعب

جاذبية المذيع الافتراضي بالنسبة لمؤسسة إعلامية واضحة: لا إجازات مرضية، ولا تعب من نشرة منتصف الليل، ولا حاجة لفريق مكياج وإضاءة كامل خلف كل ظهور. يمكن لهذا “الوجه” أن يقرأ الخبر بأي لهجة تقريبا وفي أي وقت، بتكلفة تشغيل تقترب من الصفر بعد مرحلة الإنتاج الأولى. لكن هذه الكفاءة نفسها تطرح سؤالا أعمق عن طبيعة الثقة الصحفية: حين نصدق خبرا لأن من قرأه بدا لنا موثوقا، ماذا يحدث لتلك الثقة حين يتكشف أن القارئ نفسه لم يكن له وجود جسدي أصلا، ولا مسؤولية شخصية عمّا يقوله؟

مذيعة لا تخطئ لأنها لا تقرر

الفارق الجوهري بين المذيعة البشرية والافتراضية ليس في الأداء، بل في غياب القرار التحريري نفسه. المذيعة البشرية تقرأ نصا لكنها أيضا تحمل خبرة صحفية تجعلها قادرة على استشعار خطأ في الخبر أو نبرة غير لائقة لحظة البث. المذيعة الافتراضية تقرأ فقط ما يُكتب لها، بلا قدرة على المساءلة أو الرفض. هذا يجعلها أداة طيّعة تماما بيد من يكتب النص، ما يزيد بدل أن يقلل من المسؤولية الواقعة على الفريق التحريري خلف الكواليس.

يبقى السؤال المفتوح: حين يعتاد الجمهور على وجه لا يشيخ ولا يتعب ولا يخطئ في النطق أبدا، هل سيبدأ الناس بالشك تلقائيا في كل مذيع بشري يتلعثم أو يتردد، بوصف ذلك عيبا يجب إصلاحه، بدل أن يفهموه كدليل على أن هناك إنسانا حقيقيا يتحمل فعلا وزر الكلمة التي يقولها؟


قد يعجبك أيضاً

إعلام

مؤثّرة لا تنام

حملات المؤثرين الافتراضيين تحقق معدل تفاعل يفوق نظيره البشري بثلاث مرات، وبحلول 2028 يُتوقع أن تمتلك 70% من كبرى العلامات الخليجية «وجها» رقميا دائما. قراءة في صعود المؤثرين المصطنعين وثمن الثقة حين يتلاشى الإنسان من الإعلان.

اقرأ المزيد
علم وتقنية

برمجة بلا معرفة البرمجة

سوق «البرمجة بالحدس» بمساعدة الذكاء الاصطناعي تجاوز 4.7 مليار دولار عالميا، و63% من مستخدميه ليسوا مبرمجين أصلا. قراءة في كيف أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي لجيل من الشباب العربي بناء تطبيقات كاملة دون أن يكتبوا سطر كود واحد بأنفسهم.

اقرأ المزيد
تعليم

واجب لم يكتبه أحد

بحلول 2026، أصبح 92% من الطلاب حول العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في دراستهم، واعترف 88% باستخدامه في واجبات تُحتسب ضمن الدرجة النهائية. قراءة في أزمة أكاديمية صامتة تطرح سؤالا أصعب من الغش نفسه: ماذا يبقى من التعلم حين تكتب الآلة الإجابة؟

اقرأ المزيد