سائق يقف عند محطة شحن سريع بدل محطة وقود تقليدية، يمرر بطاقته وينتظر دقائق معدودة بدل ثوانٍ، بينما تصدر سيارته صمتا تاما بدل هدير محرك اعتاد سماعه طوال حياته. هذا التحول يتسارع فعليا في منطقة اشتهرت تاريخيا بكونها مصدر الوقود الذي تعمل به سيارات العالم: بلغت مبيعات المركبات الكهربائية في الشرق الأوسط نحو 75 ألف سيارة عام 2025 بنمو تجاوز 40% على أساس سنوي (تريدنس تكنولوجي, 2026)، فيما تصدّرت الإمارات دول المنطقة للعام الثاني على التوالي، مستحوذة على نحو 50% من إجمالي مبيعات المركبات الكهربائية إقليميا (صحيفة البيان, 2026).
بنية تحتية تسبق الطلب لا تلاحقه
عادة ما تسبق البنية التحتية للشحن الكهربائي الطلب الفعلي عليها في هذه المنطقة بدل أن تلاحقه، وهو نمط معاكس لما حدث في أسواق أخرى حول العالم حيث سبق انتشار السيارات الكهربائية توفر محطات الشحن. وسّعت شركة أدنوك للتوزيع شبكتها للشحن السريع والفائق السرعة في الإمارات بنسبة 1.4 ضعف خلال عام واحد فقط، لتصل إلى 400 نقطة شحن بحلول أوائل 2026 (سولارابيك, 2026). هذا الاستثمار الاستباقي في البنية التحتية يعكس ثقة مؤسسية بأن التحول للكهرباء ليس مجرد موضة عابرة، بل اتجاه استراتيجي طويل الأمد تستعد له الدولة قبل أن يفرضه السوق نفسه.
مفارقة اقتصاد نفطي يستثمر في بديله
المفارقة الأعمق في هذا التحول أن الدول نفسها التي بنت ثروتها التاريخية على استخراج النفط وتصديره هي من تقود اليوم الاستثمار في التحول عنه محليا. هذا ليس تناقضا بقدر ما هو حساب استراتيجي بارد: هذه الدول تدرك أن الطلب العالمي على النفط سيتراجع حتما مع تسارع التحول العالمي للطاقة النظيفة، فتفضل أن تقود هي نفسها هذا التحول محليا وتبني خبرة وبنية تحتية فيه، بدل أن تُفاجأ به مستوردة من الخارج حين يصبح حتميا لا اختياريا.
سؤال البنية التحتية خارج المدن الكبرى
رغم هذا التقدم اللافت في المدن الكبرى كدبي وأبوظبي والرياض، يبقى سؤال جدي حول جاهزية البنية التحتية العربية الأوسع خارج هذه المراكز الحضرية الكبرى لاستيعاب هذا التحول (الجزيرة نت, 2026). سائق يقود من مدينة كبرى إلى منطقة نائية قد يجد نفسه بلا محطة شحن قريبة، ما يجعل السيارة الكهربائية حاليا خيارا عمليا أساسا لمن يتنقل داخل حدود المدينة، لا لمن يحتاج تنقلا إقليميا أوسع بين المدن والمحافظات المتباعدة.
يبقى السؤال معلقا فوق هذا التحول السريع: هل يمثل تبني السيارات الكهربائية بهذه الوتيرة تحولا حقيقيا في علاقة المنطقة بمصدر طاقتها، أم أنه يبقى، حتى الآن، ظاهرة حضرية محصورة في أحياء وطبقات معينة قادرة على تحمل تكلفة السيارة والاعتماد على بنية تحتية لا تزال تتركز أساسا في قلب المدن الكبرى؟