موظف في أوائل الثلاثينيات، راتبه لا يسمح له بشراء شقة كاملة ولا حتى بدفعة أولى معقولة عليها، يفتح تطبيقا على هاتفه ويشتري “حصة” من عقار مدرّ للدخل في الرياض بألف ريال فقط، أقل من ثمن هاتفه الذي يحمله. هذا ما تتيحه اليوم منصات مثل “حصتك” التي تتيح التملك الجزئي في عقارات مدرة للدخل ابتداء من ألف ريال سعودي، أو “ستيك” المرخصة من هيئة الخدمات المالية في دبي والتي تسمح بالاستثمار في العقار الإماراتي ابتداء من 150 دولارا فقط (حصتك, 2026؛ بروكر ماتش, 2026).
كسر حاجز الدفعة الأولى
لعقود، كانت ملكية العقار في المدن الخليجية الكبرى محصورة عمليا بمن يملك رأس مال كبير دفعة واحدة: إما نقدا أو عبر تمويل بنكي يتطلب دخلا ثابتا مرتفعا وضمانات صارمة. هذا الحاجز استبعد شريحة واسعة من الشباب العامل الذي يملك دخلا معقولا لكن لا يملك السيولة الكافية لخطوة استثمارية بهذا الحجم دفعة واحدة. منصات الملكية الجزئية تفتت هذا الحاجز حرفيا: بدل شراء عقار كامل، يشتري المستثمر صكا يمثل نسبة صغيرة منه، ويحصل على نصيبه من الإيجار الشهري ومن أي ارتفاع لاحق في قيمة العقار، دون أن يحمل عبء الصيانة أو التأجير بنفسه.
بيئة تنظيمية تجريبية تسبق القانون
ما يميز هذه التجربة في الخليج أنها لا تسير خارج القانون بل داخل “بيئات تنظيمية تجريبية” أطلقتها هيئات رسمية لاختبار النموذج قبل تعميمه: منصة “مداك” السعودية أطلقت نموذج الملكية الجزئية والترميز العقاري ضمن البيئة التنظيمية التجريبية التابعة للهيئة العامة للعقار (جولة, 2026). هذا يعني أن الجهات التنظيمية نفسها تراقب المنتج وهو يُختبر حيا في السوق، بدل انتظار سنوات لصياغة تشريع شامل ثم السماح بإطلاقه، ما يسرّع نمو القطاع لكنه يترك أيضا مساحة غموض قانوني حول الحقوق الفعلية للمستثمر الصغير إن تعثر السوق.
ملكية بلا سيطرة فعلية
المفارقة الكامنة في هذا النموذج أن “الملكية” هنا شكلية أكثر منها فعلية: صاحب الحصة لا يقرر متى يُباع العقار، ولا كيف يُدار، ولا حتى من يستأجره؛ كل هذه القرارات تبقى بيد المنصة أو الجهة المشغلة. هو مستثمر أشبه بحامل سهم صغير في شركة كبرى، لا مالك عقار بالمعنى التقليدي الذي يمنحه حق التصرف الكامل. هذا لا يقلل من فائدة الأداة، لكنه يعيد تعريف كلمة “تملك” نفسها: من امتلاك جدار وسقف يمكن لمسه، إلى امتلاك رقم في محفظة رقمية يمثل نسبة مئوية من ذلك الجدار.
يبقى السؤال معلقا: حين يصبح التملك العقاري مجزأ إلى كسور رقمية يمكن شراؤها وبيعها بضغطة زر، هل ما زلنا نتحدث عن “الاستقرار” الذي طالما ارتبط تاريخيا بامتلاك سقف فوق الرأس، أم أننا حولنا العقار نفسه إلى ورقة مالية أخرى تُتداول بمنطق البورصة لا بمنطق البيت؟