تنشر فتاة في بيروت منشورا عن قضية حساسة، لكنها تكتب الكلمة الحرجة بلا حركات، أو تستبدل حرفا بعلامة تشبهه شكلا، أو تُخفي المعنى داخل مزحة لا يفهمها إلا من يعرف السياق. لا شيء من هذا جديد في تاريخ اللغة، لكن الجديد أن الطرف الذي تخاطبه هذه الحيلة اليوم ليس رقيبا بشريا يقرأ ويقرر، بل خوارزمية تُدرَّب على أنماط نصية محددة، ولا تلتفت لما يخرج عن تلك الأنماط. تقرير حديث عن الهوية الرقمية لدى جيل Z العربي يرصد هذا النمط بوصفه لغة مقاومة كاملة، لا حيلا متفرقة (The New Global Order, 2026).
حين تُخلع الحركات عن الكلمة
الرقابة الآلية على المنصات الكبرى لا تقرأ المعنى كما يقرأه إنسان، بل تبحث عن مطابقة نصية مع قوائم كلمات محظورة. هذا الفارق التقني البسيط هو ما فتح الباب أمام تكتيك بسيط وفعال: تفكيك الكلمة الحساسة عن نمطها المعتاد، بحذف حركة، أو إدخال رمز، أو استبدال حرف بآخر يشبهه بصريا. الخوارزمية تمر بجانب الكلمة المعدّلة دون أن تتعرف عليها، بينما القارئ البشري، المزوّد بسياق كامل، يفهمها فورا.
المفارقة اللافتة هنا لغوية بقدر ما هي تقنية. هذا الأسلوب في المراوغة الكتابية ليس اختراعا حديثا، بل امتداد لتاريخ طويل من الكتابة بين السطور في السياقات التي تخضع فيها الكلمة لرقابة، إلا أن الخصم تغيّر: لم يعد قارئا بشريا يمكن إقناعه أو التحايل على تأويله، بل نظام آلي يُدرَّب على نمط شكلي جامد، وهو ما يجعل كسره أسهل من كسر قارئ بشري متمرس.
الفكاهة كسلاح خفيف
إلى جانب المراوغة النصية المباشرة، يلجأ كثيرون إلى تكتيك أكثر مراوغة: تحويل القضية الحساسة إلى مادة للسخرية بدل الطرح المباشر. حملات ساخرة، مثل تلك التي استخدمت صورا فكاهية غير متوقعة للتعليق على أزمات سياسية في مصر، استطاعت الانتشار على نطاق واسع لأن شكلها الظاهري بريء تماما من منظور أي تصنيف آلي، بينما مضمونها المقصود واضح تماما لجمهورها المستهدف (The New Global Order, 2026).
هذا النمط، الذي يمكن تسميته بالعبثية الاستراتيجية، فعّال تحديدا لأنه يستغل ثغرة لا يمكن للخوارزمية سدها بسهولة: الفكاهة تتطلب فهم سياق ثقافي كامل لتُفهم على أنها تعليق سياسي لا مجرد مزحة عابثة. حين تنتشر حملة مماثلة عبر الحدود، كما حدث في حملات لبنانية عابرة للحدود عام 2019، فإنها تخلق تضامنا إقليميا يتجاوز قدرة أي نظام مراقبة قطري واحد على احتوائه.
ليست الحيلة الأولى في تاريخ اللغة
المفارقة الأعمق في هذه الظاهرة أن الأداة التي تحاول اليوم ضبط الخطاب العربي رقميا، أي الخوارزمية نفسها، تحمل اسما عربيا في جذوره. كلمة “algorithm” منحدرة من الاسم اللاتيني لعالم الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي، الذي وضع في بغداد القرن التاسع أساسا رياضيا صار قرونا لاحقا العمود الفقري لأنظمة الحوسبة الحديثة. أن يجد الشباب العربي نفسه اليوم يبتكر حيلا لغوية للتحايل على نظام يحمل اسم أحد أجداده الفكريين، مفارقة تستحق التوقف أكثر من مجرد الطرافة.
هذه التكتيكات، من حذف الحركات إلى الفكاهة المموّهة، ليست علامة ضعف أمام رقابة لا يمكن مجاراتها، بل دليل على مرونة لغوية متجددة تتوارثها كل حقبة رقابية بأدواتها الخاصة. اللغة التي واجهت قرونا من الرقابة البشرية بالكناية والتورية، تواجه اليوم رقابة آلية بأدوات مختلفة شكلا، لكنها الاستمرار نفسه لغريزة واحدة: أن يُقال ما يجب أن يُقال، مهما تغيّر شكل الحارس على الباب.