بينما يتناقل الإعلام الغربي منذ سنوات مصطلح “الاستقالة الصامتة”، حيث يكتفي الموظف بالحد الأدنى من مهامه دون أن يستقيل فعليا، يرصد خبراء الموارد البشرية في الخليج سلوكا مختلفا تماما بين الشباب: بدل الهروب من الوظيفة نحو فرص أفضل، يتشبثون بمواقعهم الحالية بقوة غير معتادة. محمد صالح، مستشار أول في شركة كورن فيري، يصف هذا النمط بمصطلح جديد: “عناق الوظيفة”، حيث يتمسك الموظف بمكانه لا بدافع الولاء، بل بدافع الحذر والحاجة إلى الأمان (Fast Company Middle East, 2026).
من القفز بين الوظائف إلى التمسك بها
لعقد كامل، كان النموذج السائد لسلوك الجيل الشاب في سوق العمل واضحا: تنقل سريع بين الوظائف بحثا عن راتب أفضل أو فرصة أكثر إثارة، بلا تردد كبير في ترك موقع لا يرضي طموحه. هذا النموذج ينقلب اليوم في دول الخليج تحديدا، لأسباب اقتصادية بحتة لا علاقة لها بتغيّر في الطموح الشخصي. تكاليف السكن والتعليم في مدن مثل أبوظبي ودبي والدوحة ترتفع بوتيرة أسرع من ارتفاع الرواتب، ما يجعل أي قفزة وظيفية غير مضمونة النتائج مخاطرة يصعب تبريرها.
يضاف إلى هذا ما يصفه الخبراء بـ”الأصفاد الذهبية”: التوظيف المرتبط بالتأشيرة، وبدل السكن، ومكافأة نهاية الخدمة، وكلها حوافز تجعل مغادرة الوظيفة الحالية أكثر كلفة من مجرد فقدان الراتب. حين تُضاف إلى هذا حالة عدم اليقين في سوق الشركات الناشئة، بتراجع التمويل وموجات التسريح المتكررة، تصبح الوظيفة الثابتة في مؤسسة معروفة خيارا عقلانيا أكثر جاذبية من أي مغامرة جديدة.
الولاء المؤجل
المهم هنا أن نفرق بوضوح بين البقاء والولاء، فهما ليسا الشيء نفسه رغم تشابههما ظاهريا. ديفيد ريبوت، مدرب تنفيذي في ريبوت بارتنرز، يصف هذا السلوك بأنه “إدارة مخاطرة عقلانية”، حيث “بدأت كلفة المغادرة تفوق فائدة المغادرة” (Fast Company Middle East, 2026). هذا التوصيف يكشف أن البقاء هنا ليس التزاما عاطفيا بالمؤسسة، بل قرارا محسوبا يمكن أن ينقلب في أي لحظة تتغير فيها المعادلة الاقتصادية.
الخطر الحقيقي الكامن في هذا النمط أن الموظف قد يبقى جسديا في مكانه بينما ينسحب داخليا: يتجنب مسؤوليات جديدة، يتوقف عن تطوير مهاراته، ويكتفي بأداء ما هو مطلوب منه بالحد الأدنى، خوفا لا رغبة. هذا يعني أن “عناق الوظيفة” قد يخفي تحته النسخة نفسها من الاستقالة الصامتة التي يفترض أنه بديل عنها، لكنها استقالة صامتة مموّهة بمظهر الاستقرار الظاهري.
عقد غير معلن
الأرقام تكشف حجم هذا التوتر بوضوح. 82 بالمئة من جيل Z في الخليج مستعدون للبقاء إن وفرت الوظيفة أمانا كافيا، و89 بالمئة مستعدون للبقاء مقابل أجر تنافسي، لكن 48 بالمئة فقط منهم يتخيلون أنفسهم في الموقع نفسه بعد خمس سنوات، مقارنة بـ70 بالمئة من جيل X و80 بالمئة من الأجيال الأكبر سنا. هذا التباين يكشف أن البقاء الحالي مشروط بمراجعة دائمة، لا التزام نهائي.
في المقابل، تشير البيانات نفسها إلى ما يمكن أن يحوّل هذا البقاء المشروط إلى التزام حقيقي: 53 بالمئة يفضلون فرص التطوير المهني على الانتقال إلى دور جديد، و72 بالمئة يبقون لفترة أطول حين يُقرن بقاؤهم بوجود موجّه مهني حقيقي يستثمر في تطورهم. هذا يرسم عقدا غير معلن بين الموظف الشاب ومؤسسته: أمان مقابل بقاء، لكن بقاء كامل الحماس يتطلب أكثر من مجرد أصفاد ذهبية، يتطلب استثمارا فعليا في مستقبل هذا الموظف داخل المؤسسة نفسها.
“عناق الوظيفة” ليس ولاء بالمعنى التقليدي، وليس تمردا خفيا بالمعنى الذي وُصفت به الاستقالة الصامتة. إنه موقف ثالث أكثر دقة: جيل يقرأ اقتصاده الإقليمي بوضوح غير معتاد، ويقرر أن يقلل من مخاطره الشخصية إلى أن تصبح المعادلة أكثر وضوحا. من يحتضن وظيفته اليوم في الخليج لا يفعل ذلك لأنه توقف عن الطموح، بل لأنه تعلّم أن يقيس مخاطرة الطموح بدقة لم تكن الأجيال السابقة مضطرة لتعلمها بالقدر نفسه.