شاب مصري في أواخر الثلاثينات، لديه عمل مستقر وحبيبة يريد الزواج منها منذ سنوات، لكنه ما زال يؤجل الخطوة لأنه لم يجمع بعد ثمن الذهب وتأثيث شقة الزوجية. هذا المشهد تحول من استثناء إلى قاعدة شبه معتادة في مصر اليوم: تكاليف الزواج فيها قد تصل إلى مليون جنيه مصري، أي نحو عشرين ألف دولار، وأحيانا ضعف هذا المبلغ، في بلد يبلغ فيه متوسط تكلفة الزواج نحو أحد عشر ضعف الإنفاق السنوي للفرد الواحد (Middle East Monitor, 2025).
ذهب لا يستطيع كثيرون شراءه
جزء أساسي من هذا العبء المالي يعود مباشرة إلى تقليد اجتماعي راسخ: تقديم الذهب للعروس كجزء من اتفاق الزواج. مع الارتفاع الحاد في أسعار الذهب عالميا خلال السنوات الأخيرة، وجد كثير من الشباب المصري أنفسهم عاجزين فعليا عن تلبية هذا الشرط التقليدي، حتى لو توفرت لديهم بقية متطلبات الزواج الأخرى. هذا الشرط الثقافي، الذي كان يُنظر إليه تاريخيا كضمانة مالية للعروس، تحول اليوم إلى عائق فعلي أمام إتمام الزواج نفسه بالنسبة لشريحة واسعة من الشباب متوسطي الدخل.
أزمة تدفع بعض الشباب إلى الديون
يضطر كثير من الشبان المقبلين على الزواج للاستدانة لتمويل هذه التكاليف، وتتحمل أسرهم أحيانا أعباء مالية إضافية عبر توقيع كمبيالات وسندات إذنية يتوجب سدادها لاحقا بعد الزفاف مباشرة، ما يحوّل بداية الحياة الزوجية من احتفال بمرحلة جديدة إلى بداية مثقلة بديون لا تزال تُسدَّد لسنوات. النتيجة المباشرة لهذا العبء المتراكم أن سن الزواج يتأخر باستمرار: أصبح شائعا أن يصل شبان وشابات إلى سن الخامسة والثلاثين أو الأربعين دون زواج، في مجتمع كانت الأعراف الاجتماعية فيه، حتى وقت قريب، تنظر لهذا التأخير بقلق واستغراب واضحين.
من مهر أسطوري إلى واقع يعاد تعريفه في الخليج أيضا
الظاهرة ليست حكرا على مصر: في السعودية أيضا، بدأ مفهوم “المهر” التقليدي يتغير جذريا مع ارتفاع التكاليف العامة للزواج، ما يدفع عائلات وأزواجا مستقبليين لإعادة التفاوض على قيمته وشكله بما يتناسب مع واقع اقتصادي جديد أقل احتمالا لتحمل التكاليف المتضخمة التي كانت مقبولة قبل عقد أو عقدين. هذا التحول الإقليمي الأوسع يطرح سؤالا يتجاوز الاقتصاد البحت: حين تصبح تكلفة تأسيس أسرة أعلى من قدرة جيل كامل من الشباب على تحملها، هل يعيد المجتمع فعليا تعريف الطقوس والالتزامات المرتبطة بالزواج لتناسب الواقع الجديد، أم يستمر التمسك بمعايير قديمة تدفع الزواج نفسه، كفكرة، إلى مزيد من التأجيل غير المعلن؟