ما يجعل هذا الكتاب استثنائيا ليس مجرد موضوعه بل مصدره: كاتبه ناوكي هيغاشيدا صبي ياباني توحدي لا يستطيع التحدث بصورة طبيعية، ألّفه وهو في الثالثة عشرة من عمره مستخدما لوحة أبجدية يشير بها إلى الحروف واحدا تلو الآخر ليبني جملا كاملة. هذا التفصيل التقني، طريقة الكتابة نفسها، ليس هامشيا بل جوهري لفهم رسالة الكتاب: الصمت الظاهري لا يعني غيابا للفكر أو الشعور، بل يعني غالبا عجزا عن ترجمة عالم داخلي غني ومعقد إلى كلمات منطوقة عبر جهاز عصبي وعضلي لا يتعاون مع النية بالسلاسة التي يفترضها من حولنا.
يبني هيغاشيدا كتابه على شكل أسئلة وأجوبة، حيث يطرح في كل فصل سؤالا يتكرر سماعه من الآخرين، أحيانا بنبرة استغراب أو حتى ازدراء ضمني: لماذا تقفز هكذا بلا سبب؟ لماذا تكرر الكلمات؟ لماذا تنزعج من لمسة خفيفة؟ ثم يجيب من موقعه الداخلي، شارحا أن القفز مثلا ليس سلوكا عشوائيا بل وسيلة لإعادة ضبط الجسد والشعور به في لحظة يبدو فيها العالم الخارجي مشوشا أو مهددا بالانفجار الحسي. هذا الانعكاس في زاوية النظر، من سؤال “ماذا يفعل هذا الطفل؟” إلى “ماذا يشعر هذا الطفل؟”، هو الإنجاز الحقيقي للكتاب.
أحد المفاهيم الأعمق التي يشرحها الكاتب هو ذلك الفارق الزمني الدقيق بين تكوّن الفكرة في ذهنه وقدرته على التعبير عنها جسديا أو كلاميا. التفاصيل تصله متفرقة، قطعة قطعة، قبل أن تتجمع تدريجيا في صورة كاملة، وهذا التأخر هو ما يفسر كثيرا من سلوكيات تبدو غريبة من الخارج: الحاجة الملحة إلى الترتيب والتنظيم، الهوس بالجداول الزمنية، محاولة فرض نظام صارم على عالم يبدو، من منظوره الحسي، عرضة للانهيار في كل لحظة. ما يراه الآخرون “غرابة” يراه هو محاولة بقاء في عالم لا يتيح له اليقين الذي يحتاجه.
يتطرق هيغاشيدا أيضا إلى موضوعات أكثر إيلاما، كالشعور بالعزلة حين يفترض الناس أن غياب التعبير الوجهي أو التواصل البصري يعني غياب الرغبة في التواصل العاطفي، بينما يؤكد هو أن الرغبة في الحب والصداقة والانتماء موجودة بقوة لا تقل عن أي إنسان آخر، لكنها محبوسة خلف حاجز جسدي لا يخضع لإرادته. هذا التأكيد يدحض مباشرة فكرة شائعة وخاطئة عن التوحد، وهي أن غياب التعبير الظاهري يعني غياب التجربة الداخلية، أو أن الانطواء الظاهري يعني نقصا في التعاطف أو الحساسية الإنسانية.
اللافت أن هيغاشيدا، رغم سرده الصادق لمعاناته اليومية ومحاولاته المرهقة للتواصل مع عالم لا يفهمه بسهولة، يصرّح في النهاية أنه لا يرغب في أن يكون شخصا آخر غير نفسه، لأن التوحد جزء لا ينفصل عن هويته كما يعرفها. هذا الموقف، البعيد عن نغمة الضحية أو نغمة البطولة المفرطة، يعطي الكتاب صدقا نادرا: ليس استجداء للتفهم بل دعوة هادئة لإعادة النظر في الفرضيات التي نبنيها بسرعة عن من يختلف عنا في طريقة التعبير.
ما يخرج به القارئ من هذا الكتاب ليس مجرد معلومات عن التوحد بل تواضعا معرفيا ضروريا: حكمنا السريع على ما يبدو سلوكا “غير منطقي” غالبا ما يكشف قصورا في فهمنا أكثر مما يكشف خللا في من نحكم عليه. هذه الشهادة النادرة، المكتوبة بصبر طفل قبل أن يكتبها بصبر كاتب ناضج، تستحق أن تُقرأ ببطء وتُؤخذ على محمل الجد، لا كقصة إلهام عابرة بل كدرس حقيقي في التواضع الإنساني أمام تجارب لا نراها بأعيننا.