عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
ملخصات الكتب

Resplendent Light

النور الباهر

Christopher Burkett

42

كريستوفر بوركيت ليس مصورا عاديا يسعى لتوثيق جمال الطبيعة، بل مصور يرى في كل غابة وشروق وحقل ضوء تجليا لشيء أكبر منه، نوعا من الحضور الإلهي الذي يسري في تفاصيل العالم المادي. هذا الموقف الروحي، المتجذر في انتمائه إلى جماعة مسيحية تأملية انضم إليها في شبابه، ليس زخرفة فكرية يضيفها لاحقا لتبرير عمله، بل هو الدافع الأصلي الذي حوّله من شاب يبحث عن معنى إلى مصور يقضي عقودا من عمره يطارد لحظة الضوء النادرة التي يصفها بأنها “عبور” للعالم الروحي إلى داخل العالم المرئي. في هذا الكتاب، يجمع بوركيت ثمانيا وستين صورة هي خلاصة خمسة وعشرين عاما من هذا البحث الصبور.

ما يميز “النور الباهر” عن أي مجموعة صور طبيعة عادية هو الالتزام الحرفي الصارم الذي يقف خلف كل صورة فيه. بوركيت يستخدم كاميرات ضخمة الحجم، من فئة الثماني بوصات في عشر بوصات، وهي تقنية تكاد تكون مهجورة في عصر التصوير الرقمي السريع، ثم يطبع صوره يدويا بتقنية السيباكروم، وهي مادة طباعة سويسرية توقف إنتاجها تماما في عام 2011، لدرجة أن بوركيت اضطر إلى شراء مخزون يكفيه عشر سنوات قادمة فور توقف الشركة المصنعة. هذا الإصرار على وسيلة قديمة ومكلفة وبطيئة، في زمن يمكن لأي هاتف أن يصور آلاف الصور في ثوان، يحمل في نفسه رسالة ضمنية عن قيمة الصبر والحرفية اليدوية في مواجهة سرعة الاستهلاك البصري المعاصر.

الصور نفسها، كما يصفها مقال الفنان جيمس إنيارت المرفق في الكتاب، مرتبة كقصيدة بصرية متصلة، لا كمجموعة لقطات منفصلة. هذا الترتيب المتأني يعكس فلسفة بوركيت في النظر إلى الطبيعة: ليست مجموعة مشاهد عشوائية يمكن انتقاؤها وتبديلها، بل تسلسل متصل من اللحظات التي تتجلى فيها “النعمة” في تحول الأرض تحت الضوء المتغير. كل صورة، في هذا السياق، ليست غاية في نفسها بل جزء من تأمل أوسع يمتد عبر صفحات الكتاب كاملة.

ما يجعل عمل بوركيت موضع تقدير خاص بين المصورين المحترفين هو الدقة التقنية المتناهية في تحقيق هذه الرؤية الروحية. يصف هو نفسه هدفه بأنه إتاحة الوصول إلى “العالم الصافي والمتلألئ من النور والقوة”، وهي عبارة تكشف أن الجانب التقني عنده، دقة الإضاءة، حدة التفاصيل، عمق الألوان، ليس هدفا جماليا منفصلا عن الرسالة الروحية بل هو الوسيلة الوحيدة لنقلها بأمانة. بعبارة أخرى، الإتقان التقني عند بوركيت عبادة بقدر ما هو حرفة.

يحمل هذا الكتاب أيضا قيمة كوثيقة عن علاقة الإنسان بالمكان: بوركيت وزوجته روث جابا الولايات الخمسين بأكملها بمعداتهما الثقيلة بحثا عن تلك اللحظات النادرة التي يتطابق فيها الضوء والمشهد والزاوية في انسجام كامل، وهي رحلة استغرقت عقودا ولا تزال مستمرة، ما يجعل هذا الكتاب لقطة واحدة فقط من مشروع حياة أوسع لا يبدو أن صاحبه ينوي التوقف عنه.

من يتأمل هذا الكتاب لا يخرج منه فقط بانطباع جمالي عابر، بل بدعوة هادئة إلى التمهل والملاحظة: إذا كان الضوء في أبسط لحظاته قادرا على هذا القدر من البهاء حين يُرصد بصبر شديد ودقة متناهية، فإن المشكلة غالبا ليست في غياب الجمال من حياتنا اليومية، بل في سرعتنا التي لا تترك له فرصة كافية ليظهر.