عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #1

كل من يحتاج أن يثبت كفاءته باستمرار... لم يصل إليها بعد

19 يونيو 2026

كل من يحتاج أن يثبت كفاءته باستمرار... لم يصل إليها بعد

تأملات #1: كل من يحتاج أن يثبت كفاءته باستمرار… لم يصل إليها بعد

من يلاحظ الناس بانتباه يكتشف نمطا متكررا فالأكثر معرفة في الغرفة هم غالبا الأقل كلاما فيها. لا لأنهم متواضعون بالمعنى الذي يُلقَّن في الدروس الأخلاقية، بل لأن من امتلك الفهم الحقيقي لمسألة ما توقف منذ زمن عن الحاجة إلى أن يُقنع أحدا بأنه يفهمها. الكلام الكثير عن الكفاءة هو في أغلب الأحيان صدى لشك داخلي لم يُحل، لا تعبيرا عن ثقة مكتملة.

الجراح الذي أجرى العملية نفسها ألف مرة لا يشرح لمن حوله سبب كل حركة يقوم بها قبل أن يقوم بها. حركته أصبحت معرفة متجسدة في يده، لا جملة يحتاج صياغتها قبل التنفيذ. أما من بدأ يتعلم الحرفة منذ أسابيع، فيحتاج أن يحدثك عن كل خطوة، ليس لأن الشرح ضروري، بل لأن الشرح هو الطريقة التي يطمئن بها نفسه أنه يفعل ما هو صحيح. الفرق بين الاثنين ليس في مقدار المعرفة فقط، بل في حاجة كل منهما إلى أن يسمع تأكيدا خارجيا لما بداخله.

هذا النمط ازداد وضوحا في زمن أصبحت فيه منصات التواصل تمنح مكافأة فورية لمن يعرض كفاءته بصوت مرتفع، بصرف النظر عن حجم تلك الكفاءة فعليا. من يكتب عن نجاحه كل أسبوع يحصد انتباها أكبر من من ينجح بصمت، حتى يختلط على الناظر من الخارج الفرق بين من يملك مهارة حقيقية ومن يملك فقط مهارة عرضِها. هذا الخلط مكلف، لأنه يدفع كثيرين إلى استثمار وقتهم في صياغة الانطباع بدل صياغة المهارة نفسها، فيكبر الفارق بين ما يبدو عليه المرء وما هو عليه فعلا إلى أن يصل إلى لحظة اختبار حقيقي لا يفيد فيها أي عرض لفظي.

النضج المهني الحقيقي يبدأ من اللحظة التي يكتفي فيها المرء بأن يعرف هو نفسه أنه أحسن صنعا، دون أن يحتاج من يشهد له بذلك. هذا لا يعني الانزواء أو رفض التقدير حين يأتي، بل يعني أن التقدير يصبح نتيجة جانبية للعمل، لا الهدف الذي يُصاغ العمل من أجله. من يعمل من أجل أن يُرى سيتغير سلوكه بتغير من يراه، أما من يعمل من أجل النتيجة نفسها فيبقى ثابتا سواء كان هناك من ينظر أو لا.

التمرين الحقيقي على أي حرفة يحدث في الغالب في الأوقات التي لا يشهدها أحد تلك الساعات التي تُكرَّر فيها المحاولة الفاشلة حتى تصبح ناجحة، بعيدا عن أي جمهور يقيّم أو يصفق. من يقيس تقدمه بردة فعل من حوله يتوقف عن التطور في اللحظة التي يتوقف فيها التصفيق أما من يقيسه بمعيار داخلي صارم فيستمر في التحسن حتى بعد أن يتوقف أحد عن المشاهدة.

الكفاءة التي تحتاج جمهورا لتثبت نفسها لم تكتمل بعد.