تأملات #2: كل مقارنة مستمرة بالآخرين تفقدك القدرة على قياس نفسك بنفسك
المقارنة ليست خطأ في ذاتها، فالعقل البشري يتعلم الموازنة منذ الطفولة، حين يقيس حجم نجاحه بحجم نجاح من حوله لأنه لا يملك معيارا آخر بعد. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا القياس المؤقت إلى عادة دائمة، فيصبح الشخص عاجزا عن تقييم أي خطوة يقوم بها إلا من خلال موقعها بالنسبة لخطوات الآخرين.
من يقيس تقدمه بهذه الطريقة يعيش في حركة مزدوجة غريبة: يتقدم فعليا، لكنه يشعر بالتراجع كل مرة يظهر من حوله من بدا متقدما عليه أكثر. هذا الشعور لا يعكس واقعا حقيقيا، بل يعكس زاوية النظر التي اختارها، والزاوية وحدها كافية لتحويل نجاح حقيقي إلى إحساس بالفشل.
الأخطر من ذلك أن من يعيش بهذه الطريقة يبدأ، دون أن يدرك، باختيار أهدافه بناء على ما يراه عند الآخرين، لا بناء على ما يريده هو فعلا. يطارد إنجازا لأنه رآه عند شخص آخر، لا لأنه يحمل قيمة حقيقية له، فينتهي به الأمر إلى الوصول إلى أهداف لا تشبهه، ويشعر بفراغ غريب حتى بعد الوصول إليها.
من يقيس نفسه بنفسه فقط يفقد، على الأقل، تلك السهولة في معرفة موقعه بالنسبة للآخرين، لكنه يكسب شيئا أثمن: القدرة على معرفة ما تغير فيه فعلا. هل أصبح أكثر صبرا من العام الماضي. هل بات يفهم مهنته أعمق من قبل ستة أشهر. هذه الأسئلة لا تحتاج وجود أحد آخر في الصورة لتُجاب، وهذا تحديدا ما يجعلها أصدق من أي مقارنة.
الناس الذين يبدون هادئين أمام تفوق غيرهم ليسوا، في الغالب، أقل طموحا، بل توقفوا منذ زمن عن استخدام الآخرين كمسطرة. طموحهم موجه إلى نسخة سابقة من أنفسهم، لا إلى شخص آخر يتغير موقعه كل يوم بطريقة لا يتحكمون فيها. هذا التوجه الداخلي للطموح هو ما يمنحهم ثباتا يبدو من الخارج كأنه عدم اهتمام، بينما هو في الحقيقة شكل أعمق من الاهتمام، موجه نحو الجهة الوحيدة التي يمكن أن يصنع فيها فرقا حقيقيا.
من يقارن نفسه بنفسه فقط، هو الوحيد الذي يملك معيارا لا يخدعه.