عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #10

السماح ليس هدية لمن أخطأ، بل تحرير لمن حمل الأذى طويلا

21 أغسطس 2026

السماح ليس هدية لمن أخطأ، بل تحرير لمن حمل الأذى طويلا

تأملات #10: السماح ليس هدية لمن أخطأ، بل تحرير لمن حمل الأذى طويلا

يُفهم السماح غالبا كفعل موجه نحو الآخر، كأنه إعلان بأن ما حدث لم يعد مهما، أو كأنه يمنح من أخطأ شهادة براءة لا يستحقها بعد. هذا الفهم يجعل كثيرين يرفضون السماح، ظنا منهم أن التمسك بالغضب هو الطريقة الوحيدة لإثبات أن ما حدث كان خطأ حقيقيا. لكن من يلاحظ بدقة أثر الغضب المطول يجد أن الطرف الذي يدفع ثمنه الأكبر ليس من أخطأ، بل من ظل يحمل الحادثة في رأسه سنوات بعد أن انتهت فعليا بالنسبة للطرف الآخر.

الذاكرة لا تخزن الحادثة فقط، بل تخزن أيضا كل مرة استدعيناها فيها لاحقا بمشاعر الغضب نفسها. كل استرجاع لذكرى مؤلمة يعيد تنشيط استجابة الجسد كما لو كان الحدث يقع من جديد، نبض أسرع، توتر في العضلات، يقظة دفاعية لا داعي لها في اللحظة الحالية. من يستدعي حادثة قديمة بانتظام يعيش الألم نفسه مرات أكثر بكثير من الحادثة الأصلية الواحدة، بينما من تسبب في الألم قد يكون نسي الأمر كليا أو انتقل إلى حياة أخرى لا تشغلها تلك الذكرى.

هذا لا يعني أن السماح يتطلب نسيان ما حدث أو التظاهر بأنه لم يكن خطأ. السماح الحقيقي يحتفظ بالحقيقة كاملة، يعرف ما حدث ويسميه بدقة، لكنه يتوقف عن السماح لتلك الحقيقة بأن تتحكم في كل لحظة لاحقة. الفرق بين السماح والتجاهل هو الوضوح، فمن يتجاهل يخفي الجرح ويتركه يتقيح في الخفاء، أما من يسامح فيواجه الجرح بوضوح كامل، ثم يقرر أنه لن يحمله إلى الأمام كثقل يومي.

من العائلات التي تنجو من خلافات قديمة عميقة، نادرا ما تكون النجاة بسبب أن أحد الطرفين اعتذر بالطريقة المثالية، بل لأن الطرف الآخر قرر، في لحظة معينة، أن استمرار حمل الأذى يكلفه أكثر مما يكلف من تسبب فيه. هذا القرار لا يحتاج موافقة الطرف الآخر أو حتى وعيه به، لأنه قرار داخلي بالكامل، يخص من يحمله هو وحده.

من يفهم هذا الفارق يكتشف أن السماح ليس ضعفا أمام من أخطأ، بل قوة تتيح لصاحبها أن يستعيد طاقته الذهنية من حادثة انتهت فعليا، ليوجهها إلى حياته الحالية بدل أن يتركها رهينة لحظة مضت.

من يرفض السماح، يمنح حادثة انتهت سلطة على كل يوم لم يأت بعد.