عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #9

من يتمسك بصورته القديمة عن نفسه... يرفض النسخة التي أصبح عليها فعلا

14 أغسطس 2026

من يتمسك بصورته القديمة عن نفسه...
يرفض النسخة التي أصبح عليها فعلا

تأملات #9: من يتمسك بصورته القديمة عن نفسه… يرفض النسخة التي أصبح عليها فعلا

كل شخص يحمل في داخله صورة قديمة عن نفسه، تشكلت في فترة معينة من حياته وتجمدت هناك، حتى وهو يتغير فعليا كل يوم. هذه الصورة قد تكون “الطالب المتفوق الذي لا يخطئ”، أو “الشخص الخجول الذي لا يبدأ حديثا”، أو “الفاشل في العلاقات”، وقد تشكلت بسبب حدث واحد أو موقف متكرر في مرحلة معينة. المشكلة ليست في وجود هذه الصورة، بل في رفض تحديثها حين يتغير الواقع الذي صنعها.

الشخص الذي تعرّف لسنوات على أنه “غير رياضي” قد يصبح، بعد سنة من التمرين المنتظم، أكثر قدرة بدنية من كثيرين حوله، لكنه يستمر في وصف نفسه بالعبارة القديمة لأنها أصبحت جزءا من هويته أكثر من كونها وصفا دقيقا لحاله. هذا التمسك ليس كذبا متعمدا، بل راحة نفسية: الهوية الثابتة، حتى لو كانت سلبية، أسهل من إعادة تعريف نفسك باستمرار كل مرة يتغير فيها شيء حقيقي فيك.

الخطورة في هذا التمسك أنه لا يبقى وصفا محايدا، بل يتحول إلى توجيه فعلي للسلوك. من يكرر لنفسه أنه “ليس جيدا في الكتابة” يتجنب فرص الكتابة التي قد تثبت عكس ذلك، فيظل الدليل الوحيد المتاح هو الدليل القديم الذي صنع الصورة من الأصل. الصورة هنا لا تصف الواقع، بل تصنعه عبر منع أي فرصة لتحديثه.

الأصعب من هذا أن من حولنا، أصدقاء وعائلة، يحملون نفس الصورة القديمة عنا، ويتعاملون معنا بناء عليها حتى بعد أن نتغير فعليا. هذا يخلق ضغطا مزدوجا: نحتاج أن نقاوم صورتنا القديمة عن أنفسنا، ونحتاج في الوقت نفسه أن نقاوم الصورة التي رسخها الآخرون عنا في مرحلة سابقة، رغم أن النسخة الحالية منا تجاوزتها منذ زمن.

تحديث الصورة الذاتية ليس عملية تحدث مرة واحدة، بل مراجعة مستمرة، تتطلب أن نسأل أنفسنا بصدق بين فترة وأخرى: هل هذا الوصف الذي أحمله عن نفسي لا يزال دقيقا، أم أنه أثر من مرحلة انتهت منذ سنوات وأنا أحمله من العادة فقط. من يطرح هذا السؤال بانتظام يمنح نفسه فرصة حقيقية ليكون من هو الآن، لا من كان قبل سنوات طويلة.

أخطر صورة تحملها عن نفسك هي تلك التي توقفت عن مراجعتها.