تأملات #13: الصمت: المساحة التي يسمع فيها المرء نفسه أخيرا
أغلبنا لا يعرف بالضبط ما يشعر به في لحظة معينة، لأن صوت العالم الخارجي يصل أسرع بكثير من صوته الداخلي، فيُسكته باستمرار قبل أن يتشكل بوضوح. ضجيج الإشعارات، أصوات الناس من حولنا، حتى الموسيقى التي نُشغّلها لتجنب الفراغ، كل هذا يصل بسرعة كافية لملء أي لحظة قد يظهر فيها سؤال داخلي صعب، فنعتاد أن نعيش دون أن نسمع أنفسنا فعلا.
هذا يخلق وهما خطيرا: الظن بأن الصمت مخيف لأنه فراغ مزعج، بينما هو في الحقيقة الفراغ الذي يكشف ما كان مزعجا منذ البداية ومخفيا تحت الضجيج. من يجلس في صمت كامل لأول مرة منذ مدة طويلة يشعر غالبا بضيق غريب، ليس لأن الصمت بذاته مؤلم، بل لأن الأسئلة التي كان يهرب منها بالانشغال المستمر تظهر الآن بلا حاجز يحجبها.
التجارب التي طلبت من مشاركين الجلوس بمفردهم بلا أي وسيلة تشتيت لبضع دقائق فقط أظهرت أن كثيرين يفضلون فعلا مزعجا أو مؤلما على الجلوس في صمت مع أفكارهم. هذا لا يدل على أن الصمت سيء، بل على أن كثيرين لم يتدربوا أبدا على البقاء معه، فبدا غريبا وغير محتمل من أول لقاء حقيقي به.
من يتعود تدريجيا على فترات صمت قصيرة، يوميا أو على الأقل أسبوعيا، يكتسب أداة نادرة: القدرة على ملاحظة شعور غير مريح قبل أن يكبر ويتحول إلى قرار متسرع أو انفعال غير مفهوم المصدر. كثير من القرارات السيئة لا تأتي من نقص في الذكاء، بل من إشارة داخلية تجاهلها صاحبها لأسابيع لأنه لم يمنح نفسه وقتا كافيا من الصمت ليسمعها بوضوح.
الكتّاب والمفكرون الذين يصفون لحظات الإلهام الكبرى نادرا ما يصفونها وسط ضجيج، بل في لحظة هدوء طويلة بدت في ظاهرها بلا فائدة. هذا ليس صدفة، بل أثر طبيعي لما يحدث حين يُمنح العقل وقتا كافيا دون مقاطعة، فيبدأ في ربط أفكار متناثرة كان مشغولا عنها طوال الوقت.
من يخاف الصمت، يخاف غالبا مما سيسمعه فيه، لا الصمت نفسه.