عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #14

الخوف من أن تكون عاديا يجعلك تتعب لإثبات ما لا يحتاج إثباتا

18 سبتمبر 2026

الخوف من أن تكون عاديا يجعلك تتعب لإثبات ما لا يحتاج إثباتا

تأملات #14: الخوف من أن تكون عاديا يجعلك تتعب لإثبات ما لا يحتاج إثباتا

هناك خوف هادئ يسكن كثيرين دون أن يُسمَّى بوضوح: الخوف من أن تكون حياتك عادية، أن تمر دون أن تترك أثرا يُذكر، أن يكون يومك مثل يوم أي شخص آخر دون تميز واضح. هذا الخوف لا يدفع صاحبه إلى الكسل، بل غالبا إلى عكسه تماما، إلى نشاط متواصل يهدف، في جوهره، إلى إثبات أنه ليس عاديا، حتى لو كان هذا الإثبات مكلفا أكثر من قيمته الفعلية.

هذا ما يفسر ظاهرة منتشرة: أشخاص يملؤون حياتهم بمشاريع ومنجزات، لا لأنهم يحتاجونها فعلا، بل لأن كل مشروع جديد يمنحهم دليلا مؤقتا على أنهم استثنائيون. المشكلة أن هذا الدليل لا يبقى كافيا أبدا، فبمجرد أن يهدأ الشعور بالتميز، يحتاج صاحبه إلى مشروع جديد يثبت من جديد، في حلقة لا تنتهي لأن السؤال الأصلي لم يُجَب أبدا: هل المشكلة فعلا في كونك عاديا، أم في خوفك من أن تكون كذلك.

أغلب من نُعجب بهم لإنجازاتهم لم يكونوا، في حياتهم اليومية، مختلفين بشكل جذري عن أي شخص آخر. كانوا يأكلون، ينامون، يخطئون، يشكون في أنفسهم، يقضون وقتا في أمور بسيطة لا تستحق الذكر. التميز الذي نراه فيهم كان نتيجة تراكم طويل في مجال واحد ضيق، لا حالة استثنائية شاملة في كل تفصيل من حياتهم. من يخاف من العادية يخلط بين أن يكون استثنائيا في كل شيء، وهو مستحيل فعليا، وأن يكون عاديا في أغلب الأشياء ومتقنا في القليل الذي يهمه.

قبول العادية في أغلب التفاصيل اليومية يمنح طاقة حقيقية لتوجيهها نحو الشيء الذي يستحق فعلا أن يُتقَن. من يحاول أن يكون مميزا في كل تفصيل، من طريقة شربه للقهوة إلى أسلوبه في الكلام، يستهلك طاقته في تمثيل مستمر لا في إنجاز فعلي، فيبدو مشغولا دائما دون أن يصل بعيدا في أي اتجاه محدد.

من يتصالح مع كونه عاديا في أغلب جوانب حياته يكتشف راحة غريبة، لا تشبه الاستسلام، بل تشبه التحرر من مسرح داخلي كان يؤديه لجمهور لا يطالبه أحد فيه بهذا الأداء أصلا.

ليس عليك أن تكون استثنائيا في كل شيء، يكفي أن تكون صادقا في ما تفعله بالفعل.