عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #17

الملل: الشرط الذي تحتاجه أفضل الأفكار لتولد

9 أكتوبر 2026

الملل: الشرط الذي تحتاجه أفضل الأفكار لتولد

تأملات #17: الملل: الشرط الذي تحتاجه أفضل الأفكار لتولد

نتجنب الملل بكل وسيلة متاحة، فبمجرد أن تظهر دقيقة فراغ، في طابور أو انتظار أو مصعد، تمتد اليد تلقائيا إلى الهاتف لملء تلك الفجوة قبل أن تكتمل. هذا التجنب يبدو منطقيا، لأن الملل شعور غير مريح، لكنه يحرمنا من شيء كان الفراغ القديم يمنحه دون أن نطلبه: مساحة يتحرك فيها الذهن بحرية، يربط أفكارا متناثرة لم يكن مشغولا بربطها وسط أي مهمة محددة.

كثير من الأفكار التي يصفها أصحابها بأنها “أتتني من العدم” لم تأت فعلا من العدم، بل من لحظة فراغ سبقتها مباشرة: مشي طويل بلا هدف، استحمام بلا عجلة، رحلة قيادة صامتة بلا راديو. في كل هذه اللحظات، لم يكن الذهن يفكر بقصد في المشكلة التي حلها لاحقا، بل كان متحررا من أي مهمة محددة، وهذا التحرر بالذات هو ما سمح لقطع متفرقة من المعلومات أن تلتقي بطريقة لم تكن ممكنة وسط الانشغال المباشر بالمشكلة.

الهاتف، بقدرته على ملء كل ثانية فراغ بمحتوى جديد، أزال هذه المساحة تقريبا من حياة كثيرين. لم يعد هناك انتظار حقيقي، لأن أي انتظار أصبح مشغولا بشيء آخر فور بدايته. هذا يعني أن الذهن لم يعد يحصل على فرصة التشتت الحر الذي كان يحدث قديما في كل تلك اللحظات الصغيرة المتراكمة على مدار اليوم، وفقدان هذه الفرصة قد يفسر جزئيا شكوى منتشرة عن نقص الإبداع رغم وفرة المعلومات المتاحة أكثر من أي وقت سابق.

هذا لا يعني أن كل ملل مفيد بالضرورة، فهناك فرق بين الملل القصير الذي يفتح مساحة للتفكير الحر، والملل الطويل الناتج عن غياب أي هدف أو معنى في الحياة، وهو نوع مختلف يستدعي تغييرا حقيقيا لا احتفاء به. الملل المفيد هنا هو ذاك الذي يحدث في ثغرات اليوم الصغيرة، حين لا يوجد ما يلزم فعله فعلا، لا الملل الذي يصبح حالة دائمة بسبب غياب أي تحدٍ يستحق الجهد.

من يجرب، حتى لمدة أسبوع، ترك بعض تلك الثغرات الصغيرة بلا ملء فوري، يلاحظ غالبا أن أفكارا لم تكن لتظهر وسط الانشغال المستمر تبدأ في الظهور، بهدوء، دون أن يستدعيها أحد بقصد.

أفضل الأفكار لا تُستدعى، بل تظهر حين يُترك لها مكان فارغ كافٍ.