عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #16

النقد القاسي يكشف عن صاحبه أكثر مما يكشف عن هدفه

2 أكتوبر 2026

النقد القاسي يكشف عن صاحبه أكثر مما يكشف عن هدفه

تأملات #16: النقد القاسي يكشف عن صاحبه أكثر مما يكشف عن هدفه

حين يصدر نقد قاس عن عمل بسيط، عمل أول لكاتب مبتدئ أو محاولة متواضعة من حرفي لم يتدرب طويلا، يميل الناظر من الخارج إلى تصديق أن العمل نفسه يستحق كل هذه القسوة. لكن من يراقب نمط النقد بدل محتواه يلاحظ غالبا أن حجم الغضب لا يتناسب مع حجم الخطأ، وأن هذا الفارق بالذات هو الإشارة الأهم في الموقف كله.

النقد المتوازن يصف الخطأ بدقة ويشير إلى ما يمكن تحسينه، لأن هدفه فعلا أن يتحسن العمل. النقد القاسي بلا تناسب يفعل شيئا آخر تماما: يستخدم العمل كمناسبة للتفريغ، لا كموضوع للتقييم. الفارق بين الاثنين يظهر في سؤال بسيط: هل يقترح الناقد طريقا للتحسن، أم يكتفي بالحكم النهائي القاطع الذي لا يترك للعمل فرصة أن يكون أي شيء آخر سوى فاشل تماما.

من يتأمل سيرة كثير من النقاد الأشد قسوة على الإنترنت يجد غالبا أنهم لم يجربوا أنفسهم تجربة مماثلة لما ينتقدونه. سهولة الحكم القاسي تأتي جزئيا من غياب الخبرة المباشرة بصعوبة المهمة نفسها، فمن لم يكتب فصلا واحدا في حياته قد يسخر بسهولة من رواية لم تكتمل بعد، لأنه لا يعرف كم يكلف الوصول حتى إلى تلك النقطة غير المكتملة. الجهل بالصعوبة الفعلية يمنح الناقد ثقة زائفة في حكمه، تماما كما تناولنا في حديث سابق عن علاقة الثقة الزائدة بنقص الخبرة.

هناك أيضا بعد آخر أعمق: من يحمل جراحا قديمة متعلقة بمحاولاته الخاصة التي فشلت أو رُفضت يجد في نقد أعمال الآخرين متنفسا لا علاقة له بهذا العمل بعينه. الغضب الموجه ظاهريا إلى نص أو لوحة أو مشروع قد يكون، في حقيقته، غضبا قديما لم يُعالَج، يعاد توجيهه لأن مصدره الأصلي غير متاح للمواجهة المباشرة. هذا لا يعني أن كل نقد قاس مرضي نفسيا، لكنه يعني أن قسوة الأسلوب تستحق فحصا مستقلا عن صحة المحتوى.

من يستقبل نقدا موجها إليه يستفيد من تجاهل اللهجة مؤقتا، والتركيز على السؤال الوحيد المفيد: هل هناك في هذا الكلام نقطة محددة يمكن تحسينها فعليا. إن وُجدت، تُؤخذ، بصرف النظر عن قسوة من قالها. إن لم تُوجد، فالكلام كله كان عن صاحبه، لا عن العمل الذي تظاهر بالحكم عليه.

كلما زادت قسوة الحكم عن تناسبه مع الخطأ، زاد احتمال أنه يتكلم عن شيء آخر تماما.