تأملات #19: التغيير الحقيقي لا يُعلن عن نفسه
ننتظر التغيير الكبير، اللحظة الواضحة التي يمكن أن نُشير إليها بعد سنوات ونقول “هنا تغيرت حياتي”، بينما أغلب التغيير الحقيقي يحدث بصمت تام، في قرار صغير يتكرر حتى يصبح طبيعة، دون أي إعلان أو احتفال يلفت النظر إليه.
من يراجع حياته بعد عشر سنوات نادرا ما يجد لحظة واحدة فاصلة، بل يجد سلسلة من اختيارات صغيرة بدت في وقتها بلا أهمية: قرار القراءة عشر دقائق كل ليلة، رفض دعوة لم تكن ضرورية، الاستمرار في مهارة بعد أن بدا التقدم بطيئا جدا ليُلاحظ. هذه القرارات لا تُشعر صاحبها بأنه يتغير، بل تبدو وكأنها لا تفعل شيئا، وهذا بالضبط ما يجعلها فعالة: التغيير الذي يُشعرك بثقله غالبا ما يكون مؤقتا، أما الذي يتراكم دون أن تشعر به فهو الذي يبقى.
هذا يفسر أيضا لماذا تفشل أغلب قرارات التغيير المفاجئ، مثل بداية السنة الجديدة. القرار المفاجئ يحمل طاقة عاطفية عالية في أوله، لكنه يحتاج إلى تلك الطاقة نفسها كل يوم ليستمر، وهي طاقة لا يمكن الحفاظ عليها بهذا المستوى لفترة طويلة. أما التغيير الذي يبدأ صغيرا، بخطوة لا تحتاج حماسا خاصا لتنفيذها، فلا يعتمد على طاقة متجددة، بل على تكرار بسيط لا يستهلك الكثير، وهذا ما يمنحه فرصة البقاء.
المفارقة أن من حولنا يلاحظون هذا التغيير قبل أن نلاحظه نحن، لأنهم يروننا من الخارج، من زاوية المقارنة بين ما كنا عليه وما أصبحنا، بينما نحن غارقون في التفاصيل اليومية التي تبدو متشابهة. وحين يقول أحدهم “لقد تغيرت”، تكون غالبا أول مرة نعي فيها أن شيئا تحرك فعلا.
أكثر التغييرات ثباتا هي تلك التي لم تشعر بحدوثها وأنت تعيشها.