تأملات #24: من يقارن نفسه باستمرار لا يرى تقدمه
المقارنة، بطبيعتها، تقيس مسافة بين نقطتين في لحظة واحدة، فهي عمياء تماما عن الزمن الذي استغرقته كل نقطة للوصول إلى مكانها. من ينظر إلى نجاح شخص آخر اليوم يرى النتيجة النهائية فقط، دون السنوات التي سبقتها، الفشل المتكرر الذي لم يُنشر، الأخطاء التي صُححت بصمت قبل ظهور أي إنجاز يستحق العرض.
هذا العمى الزمني يجعل المقارنة أداة قياس خاطئة بطبيعتها، حتى لو كانت الأرقام المستخدمة فيها دقيقة تماما. شخصان بدآ من نقطتين مختلفتين تماما، بظروف مختلفة، بوقت مختلف متاح، لا يمكن مقارنتهما بمعيار واحد مشترك، تماما كما لا يمكن مقارنة عداء بدأ السباق منذ ساعة بآخر بدأه منذ خمس دقائق، حتى لو كان الثاني أسرع فعليا.
البديل الوحيد المنطقي للمقارنة الخارجية هو مقارنة داخلية: أين كنت أنت، بالضبط، منذ سنة؟ هذا السؤال وحده يكشف تقدما حقيقيا غالبا ما يُحجب تماما خلف ضجيج المقارنة المستمرة بالآخرين. من يسأل هذا السؤال بصدق يندهش غالبا من المسافة التي قطعها، مسافة كانت تبدو غير موجودة فقط لأن عينيه كانت موجهة دائما إلى الخارج، لا إلى الداخل.
هذا لا يعني أن المقارنة عديمة الفائدة كليا، فهي قد تكون مصدر دافع جيد إن استُخدمت بحذر، لكن استخدامها كمعيار وحيد للحكم على النفس يضمن شعورا دائما بالنقص، لأن هناك دائما من هو أبعد على نفس الطريق، بلا نهاية لهذه السلسلة.
التقدم الحقيقي يُقاس بالمسافة التي قطعتها أنت، لا بالمسافة التي تفصلك عن شخص آخر.