عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #23

الصدق مع النفس يسبق كل صدق آخر

20 نوفمبر 2026

الصدق مع النفس يسبق كل صدق آخر

تأملات #23: الصدق مع النفس يسبق كل صدق آخر

كثيرون يفتخرون بصراحتهم مع الآخرين، بقدرتهم على قول الحقيقة دون تجميل، بينما يتجنبون تماما تطبيق المعيار نفسه على أنفسهم. يسهل أن تكون صريحا مع شخص آخر عن أخطائه، لأن الألم الناتج يقع على شخص غيرك، أما الصراحة مع النفس تعني تحمل ذلك الألم مباشرة، دون وسيط يخفف من حدته.

هذا التجنب يأخذ أشكالا ذكية جدا. شخص يفسر فشله المتكرر بسوء الحظ في كل مرة، دون أن يلاحظ النمط الواحد المتكرر في كل تلك “الحالات السيئة الحظ”. آخر يقنع نفسه أنه يستمتع بعمل لا يطيقه فعلا، لأن الاعتراف بالحقيقة يعني مواجهة قرار تغيير صعب. هذه ليست أكاذيب كبيرة عن قصد، بل تعديلات صغيرة متراكمة، كل واحدة منها معقولة بمفردها، لكنها تتراكم لتصنع صورة مشوهة تماما عن الواقع.

المشكلة في هذا النوع من الخداع الذاتي أنه يحمي شعورا مؤقتا بالراحة على حساب قرارات أفضل كانت ستُتخذ لو رأى الإنسان واقعه كما هو فعلا. من لا يعترف بأنه يكره عمله لن يبحث عن بديل. من لا يعترف بأن صداقة معينة تستهلكه لن يضع لها حدودا. الصدق مع النفس ليس عادة لطيفة اختيارية، بل الشرط الأساسي لأي قرار صحيح لاحق، لأن القرار يُبنى دائما على تقييم الإنسان لواقعه، وإذا كان التقييم خاطئا من البداية، فلن يُنقذه أي قرار جيد بعده.

أصعب جزء في هذا الصدق ليس معرفة الحقيقة، بل تحمّل وزنها دون الهروب فورا إلى تفسير أكثر راحة.

من يخدع نفسه أولا، لن تنفعه صراحته مع أي شخص آخر بعد ذلك.