عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #28

من يحتاج إقناع الجميع لم يقتنع هو نفسه بعد

25 ديسمبر 2026

من يحتاج إقناع الجميع لم يقتنع هو نفسه بعد

تأملات #28: من يحتاج إقناع الجميع لم يقتنع هو نفسه بعد

من يتخذ قرارا وهو مقتنع به تماما لا يشعر بحاجة ملحة لإقناع كل من حوله بصحته. يعرضه إن سُئل، يشرحه إن طُلب منه، لكنه لا يطارد كل شخص لينتزع موافقته، لأن قناعته الداخلية لا تحتاج تصديقا خارجيا ليبقى صحيحا في نظره. أما من يجد نفسه يكرر تبرير قراره أمام أشخاص لم يسألوه أصلا، أو يشرحه بحماس مفرط لأقرب شخص يقابله، فهذا غالبا علامة على أن جزءا منه لا يزال يبحث عن تأكيد لم يجده في داخله.

هذا السلوك يظهر بوضوح في القرارات الكبيرة: تغيير مهنة، إنهاء علاقة، اعتماد نمط حياة مختلف. من اتخذ هذه القرارات بقناعة عميقة يميل إلى الهدوء حولها، حتى أمام من ينتقدها، لأن النقد لا يهدد شيئا غير ثابت أصلا في ذهنه. أما من لا يزال متشككا في داخله، فإن أي تشكيك خارجي يلمس نقطة ضعف حقيقية، ويستفزه أكثر من اللازم، لأنه يضرب جزءا منه يقول الشيء نفسه بصمت.

هذا لا يعني أن طلب الرأي أو مشاركة قرار مع الآخرين علامة ضعف، فالتواصل الصحي حول القرارات المهمة أمر طبيعي ومفيد. الفرق يظهر في الدافع: هل تشارك القرار لتسمع منظورا قد يفيدك، أم لتسمع تأكيدا يهدئ شكا داخليا لم تحله بعد؟ السؤال الأول يبني، والثاني يستهلك طاقة كثيرة دون أن يصل أبدا إلى راحة حقيقية، لأن لا عدد من الموافقات الخارجية يمكن أن يعالج شكا لم يُحل من الداخل.

من يلاحظ هذا النمط في نفسه يكتشف غالبا أن الحل ليس في إيجاد المزيد ممن يوافقونه، بل في مواجهة السؤال الذي يتجنبه بصدق.

حين تحتاج موافقة الجميع على قرارك، فالمشكلة ليست فيهم، بل في جزء منك لم يوافق عليه بعد.