عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #29

الوضوح يأتي بعد الفعل، لا قبله

1 يناير 2027

الوضوح يأتي بعد الفعل، لا قبله

تأملات #29: الوضوح يأتي بعد الفعل، لا قبله

ننتظر الوضوح قبل أن نبدأ، نريد أن نعرف بالضبط إلى أين يقودنا قرار معين قبل أن نتخذ خطوته الأولى، كأن الوضوح شرط مسبق للفعل، لا نتيجة له. هذا الانتظار منطقي على السطح، لكنه يعكس فهما خاطئا لكيفية عمل الوضوح فعليا: في أغلب الأحيان، الوضوح لا يسبق الفعل، بل يأتي منه، يظهر تدريجيا أثناء التجربة لا قبلها.

من يحاول تخيل كل تفاصيل مشروع جديد قبل بدئه يجد نفسه عالقا في تخطيط لا ينتهي، لأن المعلومات التي يحتاجها فعلا لا تظهر إلا بعد التجربة المباشرة، لا التفكير النظري المسبق. الكاتب لا يعرف شكل قصته الحقيقي إلا بعد كتابة الصفحات الأولى، حتى لو كانت ضعيفة، لأن الكتابة نفسها هي الأداة التي تكشف ما يريد قوله فعلا، وليس مجرد وسيلة لنقل فكرة واضحة مسبقا.

هذا يعني أن من ينتظر الوضوح الكامل قبل البدء قد ينتظر إلى الأبد، لأن نوع الوضوح الذي يبحث عنه لا يُولد إلا من الفعل الذي يتجنبه. المفارقة قاسية: الطريقة الوحيدة للحصول على ما يحتاجه لاتخاذ قرار جيد هي القيام بخطوة لا يملك فيها معلومات كافية بعد، وقبول هذا النقص المؤقت هو ثمن الوصول إلى وضوح حقيقي بعد ذلك.

هذا لا يعني التصرف بتهور كامل بلا أي تفكير، بل يعني التمييز بين التخطيط المعقول الذي يحدد الخطوة التالية فقط، والتخطيط المفرط الذي يحاول رسم الطريق كاملا قبل السير فيه خطوة واحدة. الأول يقود إلى فعل، والثاني يقود غالبا إلى التجمد.

لا تنتظر الوضوح لتبدأ، ابدأ بخطوة واحدة، فالوضوح غالبا يكون نتيجتها لا شرطها.