عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #3

كلما قلّت خبرتك في شيء... زادت ثقتك في الحكم عليه

3 يوليو 2026

كلما قلّت خبرتك في شيء...
زادت ثقتك في الحكم عليه

تأملات #3: كلما قلّت خبرتك في شيء… زادت ثقتك في الحكم عليه

من يدخل مجالا جديدا لأول مرة يملك -لمدة قصيرة- وضوحا مزيفا لا يملكه أحد ممن سبقوه فيه. كل شيء يبدو بسيطا لأن المتاهة الحقيقية لم تظهر بعد، ولأن من يقف عند بداية الطريق لا يرى المنحنيات التي تنتظره بل يرى فقط الخط المستقيم الذي رسمه في خياله. هذا الوضوح ليس معرفة بل غياب التجربة التي تكشف عادة أن المسألة أعقد مما بدت.

من عمل سنوات طويلة في حرفة واحدة يعرف هذا الشعور من الجهة المعاكسة. كل سنة إضافية لا تمنحه يقينا أكبر، بل تكشف له طبقة جديدة من التعقيد كانت مخفية عنه في السنوات الأولى. الطبيب الذي تدرب عشرين عاما يتحدث عن تشخيصه بحذر أكبر من طبيب تخرج منذ شهر، ليس لأن الأول أقل ثقة بمهارته بل لأنه رأى بنفسه كم مرة بدت الحالة بسيطة ثم تبين أنها ليست كذلك. الحذر هنا ليس ضعفا بل أثر تراكمي لكل استثناء صادفه ولم يتوقعه أحد.

هذا يفسر ظاهرة مألوفة في كل اجتماع تقريبا: أصحاب الرأي الأعلى صوتا غالبا ليسوا أصحاب الخبرة الأعمق. صاحب الخبرة العميقة يعرف من تجربة مباشرة كم استثناء يمكن أن ينقض القاعدة التي يوشك أن يقولها فيتوقف لحظة قبل أن ينطق بها بثقة كاملة. أما من يقف على حافة الموضوع فلا يرى تلك الاستثناءات لأنه لم يصطدم بها بعد فيتكلم بسهولة لأن طريقه الذهني لم يتعقد بعد بكل التفاصيل التي تجعل الحقيقة أصعب من الشعار.

المفارقة الأقسى في هذا كله أن الثقة العالية تبدو من الخارج كأنها علامة على الكفاءة، فيُمنح صاحبها مساحة أكبر للحديث والقرار، بينما يُترك صاحب الخبرة الحقيقية -بحذره الهادئ- في الظل. هذا الخلط بين صوت الثقة وصوت المعرفة يكلف المؤسسات قرارات كثيرة لأنه يمنح الكلمة الأخيرة لمن يتكلم بلا تردد، لا لمن يتردد لأنه يعرف فعلا حجم المخاطرة.

من يريد أن يقيس خبرته الحقيقية في أي مجال يمكنه أن يسأل نفسه سؤالا بسيطا: كم مرة تغير رأيه في هذا الموضوع تحديدا خلال السنوات الأخيرة. من لم يتغير رأيه أبدا قد لا يكون خبيرا متمكنا بل شخصا لم يصطدم بعد بما يكفي من الواقع ليعيد النظر فيما يظنه ثابتا. التردد المدروس -في كثير من الأحيان- أصدق علامة على الفهم من الجزم السريع.

من لا يشك أبدا في رأيه، ربما لم يفهمه جيدا بعد.