تأملات #45: الخوف من الندم يصنع قرارات أسوأ من الندم نفسه
يخاف كثيرون من الندم أكثر مما يخافون من الفشل نفسه، لأن الفشل ينتهي عند لحظته، بينما الندم، في تخيلهم، يلازم الإنسان طويلا، يتكرر في الذهن، يذكره بما فاته. هذا الخوف، على عقلانيته الظاهرة، يدفع غالبا إلى قرارات أسوأ من القرار الذي كان يحاول الهروب من احتمال الندم عليه، لأنه يجعل الإنسان يقرر بدافع تجنب شعور مستقبلي افتراضي، لا بدافع تقييم حقيقي للخيارات المتاحة أمامه الآن.
من يقرر بدافع الخوف من الندم وحده يميل إلى اختيار الطريق الأكثر أمانا ظاهريا، حتى لو لم يكن الأفضل فعليا، لأن الأمان هنا لا يقاس بجودة النتيجة بل بغياب احتمال اللوم الذاتي اللاحق. هذا يفسر لماذا يبقى بعض الناس في وظائف أو علاقات لا تناسبهم، ليس لأنهم لا يرون البديل، بل لأن فكرة “ماذا لو ندمت على تركها” تبدو أثقل من فكرة “ماذا لو ندمت على بقائي فيها”، رغم أن الندم الثاني غالبا أعمق وأطول أثرا من الأول.
الدراسات النفسية حول الندم تكشف نتيجة مثيرة: أكثر ما يندم عليه الناس في نهاية حياتهم ليس الأخطاء التي ارتكبوها، بل الفرص التي لم يجرؤوا على تجربتها. الخطأ المرتكب، مهما كان مؤلما، يحمل معه على الأقل تجربة وتعلما ونهاية واضحة، أما الفرصة الضائعة بسبب الخوف تبقى مفتوحة في الخيال إلى الأبد، يعاد تخيل “ماذا لو” بلا حد، وهذا النوع من الندم أصعب لأنه بلا إغلاق حقيقي.
من يفهم هذا يبدأ في إعادة صياغة سؤاله الداخلي: بدل “أي قرار يجنبني الندم؟”، يسأل “أي قرار أقدر أن أعيش مع نتيجته، أيا كانت؟”. هذا السؤال الثاني يقبل احتمال الندم كجزء طبيعي من أي خيار حقيقي، ويوجه الانتباه نحو القرار الأصح فعليا، لا الأكثر أمانا من اللوم المستقبلي وحده.
الخوف من الندم على فعل شيء أخطر غالبا من الندم نفسه على عدم فعله.