عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #47

الصمت الطويل أحيانا علامة قوة لا ضعف

7 مايو 2027

الصمت الطويل أحيانا علامة قوة لا ضعف

تأملات #47: الصمت الطويل أحيانا علامة قوة لا ضعف

تربط الثقافة العامة، في كثير من السياقات، بين الكلام الكثير والثقة، وبين الصمت والخوف أو الضعف، حتى أصبح من يميل للصمت في النقاشات يُنظر إليه أحيانا كشخص لا يملك ما يقوله أو يخشى المشاركة. هذا الربط يتجاهل نوعا آخر من الصمت، أكثر شيوعا مما يُعتقد: صمت ناتج عن وعي داخلي بأن ليس كل فكرة تحتاج أن تُقال، وليس كل رأي يستحق الدخول في جدال من أجله.

من يمتلك صمتا واثقا لا يصمت لأنه عاجز عن الرد، بل لأنه قيّم الموقف ووجد أن الكلام لن يضيف شيئا يستحق الجهد، أو أن الطرف الآخر غير مستعد لاستماع حقيقي في تلك اللحظة. هذا النوع من الصمت يحتاج ضبطا داخليا أكبر بكثير من الرد السريع، لأن كل خلية في الجسم تدفع نحو الدفاع عن الرأي أو تصحيح الطرف الآخر، والقدرة على تجاوز هذا الدافع، عن وعي لا عن خوف، تتطلب نوعا من القوة الهادئة لا يلاحظها من يقيس القوة بحجم الصوت فقط.

هذا لا يعني أن كل صمت قوة، فبعض الصمت حقيقة هروب من مواجهة ضرورية، كما رأينا في تأمل سابق. الفرق بين الصمتين يكمن في السبب لا في الشكل الخارجي: صمت يأتي من اختيار واعٍ بعد تفكير، وصمت يأتي من خوف غير معالج. من الخارج يبدوان متشابهين تماما، لكن الفرق يظهر في الراحة الداخلية التي يشعر بها الصامت: المختار يشعر بسلام مع قراره، أما الهارب يشعر بضيق لم يُعبَّر عنه.

من يفهم هذا الفرق يتوقف عن الحكم على الآخرين بناء على كثرة كلامهم أو قلته، ويبدأ بالنظر إلى السبب الكامن خلف كل صمت. وهذا الفهم يفيده أيضا في نفسه، حين يسأل قبل أن يصمت: هل هذا صمت اختاره لأنه الأنسب، أم لأنه يهرب من شيء يستحق المواجهة؟

ليس كل من يصمت ضعيفا، بعض الصمت أصعب وأقوى من أي رد سريع.