تأملات #48: كثرة الشكوى تدريب خفي على العجز
تبدو الشكوى أحيانا تنفيسا صحيا، طريقة للتعبير عن ضغط داخلي بدل كبته، وهي بهذا المعنى مفيدة حين تكون محدودة، موجهة لحل مشكلة أو لمشاركة ألم مع من يستحق المشاركة. المشكلة تبدأ حين تتحول الشكوى من حدث عابر إلى عادة يومية، تتكرر في كل موقف، حتى تصبح اللغة الأساسية التي يصف بها الإنسان حياته لنفسه وللآخرين، وهنا تنقلب من تنفيس إلى تدريب خفي على العجز.
كل مرة يصف فيها الإنسان مشكلته دون أن يبحث عن خطوة عملية تجاهها، يكرر لعقله رسالة ضمنية: أنا لا أستطيع تغيير هذا، أنا ضحية لظروف خارج سيطرتي. تكرار هذه الرسالة، حتى لو لم تكن مقصودة، يبني مع الوقت شعورا حقيقيا بالعجز، لأن العقل يصدق ما يكرره أكثر مما يصدق ما يحدث فعليا. شخص يشكو من وظيفته يوميا دون أن يبحث عن بديل أو يحاول تغيير ظرفه، يبني داخله قناعة بأنه عاجز عن التغيير، حتى لو كان التغيير ممكنا فعلا لو حاول.
هذا لا يعني أن الحل تجاهل المشاكل أو التظاهر بالرضا الدائم، فهذا إنكار له مخاطره الخاصة. الفرق الجوهري هو بين التعبير عن مشكلة كخطوة أولى نحو حلها، والتعبير عنها كنهاية في نفسها، تتكرر بلا تطور، بلا اقتراب من حل، بلا حتى نية للبحث عن حل. النوع الأول صحي ومفيد، النوع الثاني يحفر في النفس عادة من العجز المتعلم، حيث يتوقف الإنسان عن البحث عن خيارات لأنه اعتاد أن يرى نفسه بلا خيارات.
من يلاحظ نفسه يشكو من نفس الموضوع لأسابيع دون أي تغيير في الموقف أو في طريقة تعامله معه، عليه أن يسأل نفسه سؤالا مباشرا: هل أبحث عن حل، أم اعتدت فقط الشكوى من بقاء المشكلة؟ هذا السؤال وحده قد يكفي لكسر الحلقة قبل أن تتحول إلى جزء ثابت من الشخصية.
كل شكوى بلا خطوة بعدها ليست تنفيسا، بل تدريبا صامتا للعقل على أنك عاجز.