عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
تأملات #49

القرارات الكبرى نادرا ما تأتي في لحظة وضوح كامل

21 مايو 2027

القرارات الكبرى نادرا ما تأتي في لحظة وضوح كامل

تأملات #49: القرارات الكبرى نادرا ما تأتي في لحظة وضوح كامل

يتخيل كثيرون أن القرار الصحيح يأتي مصحوبا بشعور داخلي واضح، نوعا من اليقين الهادئ يطمئن الإنسان أنه يفعل الصواب تماما. هذا التخيل يجعلهم يؤجلون قراراتهم الكبيرة بانتظار هذا الشعور، يفسرون كل تردد أو شك على أنه علامة أن الوقت لم يحن بعد، أو أن القرار نفسه غير ناضج كفاية. لكن من اتخذ قرارات مهمة فعلا في حياته يعرف أن هذا الشعور بالوضوح الكامل نادر جدا، وأن أغلب القرارات الكبرى تُتخذ وسط ضباب من الشك، لا بعد تبدده.

السبب أن القرارات الكبيرة، بطبيعتها، تتعلق بأمور غير مؤكدة، فهي تخص المستقبل، وهو مجال لا يمكن معرفته بدقة كاملة بأي حال. من ينتظر يقينا تاما قبل أن يتحرك، ينتظر شيئا مستحيلا أصلا، لأن اليقين الكامل لا يتوافق مع طبيعة القرارات التي تستحق أن تُسمى كبيرة. القرارات الصغيرة، روتينية النتائج، قد تأتي بوضوح أكبر لأن مخاطرها معروفة، أما القرارات التي تغير مسار الحياة تحمل دائما قدرا من الغموض لا يمكن إزالته بمزيد من التفكير وحده.

هذا يعني أن الشك ليس بالضرورة علامة خطأ، بل قد يكون جزءا طبيعيا من اتخاذ أي قرار يستحق هذا الاسم. من يتعلم التمييز بين الشك الذي يحمل معلومة حقيقية يجب الانتباه لها، والشك الذي هو فقط خوف طبيعي من المجهول، يستطيع أن يتحرك حتى وسط هذا الشك، بدل أن ينتظر زواله الكامل قبل أي خطوة.

من المفيد هنا التفكير بطريقة مختلفة: بدل سؤال “هل أنا متأكد تماما؟”، يسأل الإنسان “هل لدي معلومات كافية لاتخاذ قرار معقول الآن، مع علمي أنني لن أملك كل المعلومات أبدا؟”. هذا السؤال يقبل عدم اليقين كجزء من العملية، لا كعقبة يجب إزالتها أولا، وهذا القبول هو ما يفرق بين من يتحرك في حياته ومن يبقى منتظرا وضوحا لن يأتي أبدا.

اليقين الكامل ليس شرطا للقرار الصحيح، بل غالبا غياب يجب تعلم العمل بدونه.