في عام 2011، نشر الأنثروبولوجي البريطاني دافيد غرابر كتابه “الدَّين: التاريخ الأول لخمسة آلاف سنة” (Debt: The First 5000 Years, David Graeber, 2011)، وفيه يُقلب الفهم الشائع للديْن رأسا على عقب. الرواية الأكاديمية الكلاسيكية تقول إن البشر بدأوا بالمقايضة، ثم اكتشفوا صعوبتها فاخترعوا المال وسيطا. غرابر يكشف أن علماء الأنثروبولوجيا لم يعثروا قط على مجتمع تاريخي يعمل بالمقايضة الخالصة كاقتصاد عام. ما وجدوه بدلا من ذلك كان الدَّين.
الدَّين قبل المال
في المجتمعات الأولى كانت الهدية والالتزام المتبادل والاحتفال الجماعي أدوات إعادة توزيع الموارد. المال جاء لاحقا، وفي كثير من الحالات ارتبط بنشأة الدولة والجيش وضرورة تحديد ما يدين به الجندي للملك أو ما تدين به القرية لصاحب الأرض. الديْن لم يكن استثناء في حياة الناس بل النسيج الأصلي الذي بُني عليه الاقتصاد الاجتماعي قبل أن تُختزل العلاقات في الأسعار.
هذا يُقلب السؤال التقليدي: لا نسأل كيف نشأ الدَّين من المال، بل كيف نشأ المال من الديْن. والجواب غرابر يحمل شحنة سياسية: المال نشأ كثيرا ما كان لخدمة الدولة والسيطرة، لا لتسهيل التبادل الحر بين الأفراد.
”أنا مدين لك” كعبارة أخلاقية
ما يُميّز غرابر هو تحليله للغة: في كثير من اللغات، عبارة المديونية تختزل في آن معا الديْن المادي والالتزام الأخلاقي والشكر الصادق. هذا الاختزال اللغوي يكشف أن المجتمعات لم تُفرّق تاريخيا بين ما تدين به ماليا وما تدين به أخلاقيا. كلاهما “دَّين”.
وهنا يبني غرابر استنتاجه الأكبر: الديْن دائما يحمل شحنة أخلاقية لا يمكن استئصالها. من يُقرض يمتلك سلطة على من يستقرض، ليس فقط لأن له حق المطالبة بإعادة المبلغ، بل لأن العلاقة بينهما باتت علاقة من يمتلك مطالبة شرعية على آخر. هذه السلطة يمكن توظيفها للمساعدة والتضامن كما يمكن توظيفها للسيطرة والإذلال، وهذا بالضبط ما تفعله الديون السيادية بالدول الصغيرة وما تفعله ديون الرهون العقارية بالأسر المثقلة.
تحريم الربا وحكمة الديْن
الإسلام حرّم الربا تحريما قاطعا في آيات جاءت من بين الأشد وطأة في القرآن الكريم: “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ”. الحكمة المعتادة التي تُقدَّم لهذا التحريم هي حماية الفقراء من الاستغلال، وهذا صحيح. لكن تحليل غرابر يُضيف بُعدا أعمق: الربا يُحوّل الديْن من علاقة إنسانية قابلة للانتهاء والمسامحة إلى آلة لإنتاج ديون متراكمة لا نهاية لها. الفائدة المتراكمة لا تُنتج دَّينا يُسدَّد بل دَّينا يتكاثر بمنطقه الخاص بصرف النظر عن قدرة المديون.
في المقابل، القرآن يُشجّع على “القرض الحسن”: الإقراض بلا فائدة بل بلا توقع مؤكد للإعادة. هذا النوع من الإقراض يُعيد الديْن إلى طبيعته الأولى: علاقة إنسانية قائمة على الثقة والحاجة، لا على حساب الربح. ومسامحة الديْن عند القرآن تُعدّ فضيلة كبرى: “وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ”. هذا ليس مجرد سخاء اختياري بل تصحيح هيكلي لعلاقة أصبحت فيها كفة القوة مائلة بشكل لا يحتمله النسيج الاجتماعي.
الدَّين كمرآة للمجتمع
غرابر يختم بملاحظة تاريخية: أشد الأزمات الاقتصادية قسوة ارتبطت بالديون المتراكمة. الحلول التاريخية لهذه الأزمات تضمّنت في أغلب الأحيان شكلا من أشكال “إلغاء الديون” أو “العام السبتي” الذي كانت الحضارات القديمة تُعيد فيه رسم حسابات الديْن لتمنع تضخمها المفضي إلى انهيار النسيج الاجتماعي. هذه الفكرة ليست يوتوبية بل موثّقة في تاريخ بلاد الرافدين وإسرائيل القديمة وغيرها.
هذا يتصل بما طرحناه في مقال هل أخطأ أجدادنا حين اخترعوا الزراعة؟: كل تقنية اجتماعية تُنتج توزيعا غير متكافئ للقوة، والسؤال الأخلاقي دائما هو: من يملك المطالبة الشرعية على من؟ الديْن في صورته الحديثة أنجع آليات هذا التوزيع غير المتكافئ، وفهم تاريخه شرط لفهم الاقتصاد السياسي الذي نعيش فيه. الديْن لم يكن يوما محايدا، وادّعاؤه الحياد هو جزء من قوته.