لعقود، كان السفر إلى الخارج - دبي أو القاهرة أو إسطنبول أو أوروبا - هو الخيار شبه الوحيد لعائلة سعودية تريد قضاء عطلة حقيقية بعيدا عن الروتين. اليوم، يبدو المشهد مختلفا جذريا: خلال الربع الأول من 2026 وحده، سجلت المملكة نحو 29 مليون رحلة سياحية داخلية، بزيادة 16% عن العام السابق، لتشكل هذه الرحلات المحلية نحو 78% من إجمالي 37.2 مليون زيارة سياحية سُجّلت في البلاد خلال الفترة نفسها (Nomad Lawyer, 2026).
من هدف تجاوزته المملكة قبل موعده بست سنوات
هذا التحول جزء من استراتيجية أوسع رفعت طموحات السياحة السعودية بشكل كبير: الهدف الأصلي لرؤية 2030، الذي كان يستهدف 100 مليون زيارة سنوية، تحقق بالفعل عام 2023، أي قبل ستة أعوام من موعده المحدد. هذا الإنجاز المبكر دفع المملكة لرفع سقف طموحها إلى 150 مليون زيارة سنوية بحلول 2030، مقسمة بين 70 مليون زائر دولي و80 مليون سائح محلي (Riyadh 2030). إنفاق السياحة الإجمالي بلغ نحو 82.7 مليار ريال خلال الربع الأول من 2026 وحده، ضمن مسار نمو حوّل مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 3% إلى ما يقارب 5% اليوم، في طريقها نحو هدف 10% بحلول 2030.
بنية تحتية بُنيت خصيصا لتبقي السائح في الداخل
هذا التحول لم يحدث عفويا، بل هو نتيجة مباشرة لموجة استثمار ضخمة في مشاريع ترفيهية وسياحية محلية لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة: منتجعات البحر الأحمر، وجهات ترفيهية جديدة في الرياض وجدة، ومشاريع ضخمة بمليارات الدولارات صُممت خصيصا لتنافس الوجهات الخليجية والعالمية التي اعتاد السعوديون السفر إليها. مع توقعات بإضافة نحو 18150 غرفة فندقية جديدة خلال 2026 وحدها ضمن خطة أوسع تشمل أكثر من 105 آلاف غرفة عبر 382 فندقا بحلول 2030، يتضح أن الاستراتيجية لا تكتفي باستقطاب السائح الأجنبي، بل تراهن بقوة على تحويل المواطن نفسه إلى سائح داخل بلده.
حين يصبح السفر الداخلي خيارا اقتصاديا لا فقط وطنيا
يبقى السؤال المهم: هل يعكس هذا التحول تفضيلا حقيقيا طويل الأمد لدى السعوديين نحو الاستجمام المحلي، أم أنه مدفوع جزئيا بعوامل مؤقتة كتقلبات أسعار الصرف وتكاليف السفر الدولي المرتفعة، إضافة إلى توترات إقليمية جعلت السفر للخارج أقل جاذبية في بعض الفترات؟ الإجابة الحقيقية ستظهر تدريجيا مع اكتمال المشاريع السياحية الكبرى ونضج تجربتها بما يكفي لمنافسة وجهات عالمية راسخة، لا فقط بالبنية التحتية الفاخرة، بل بجودة الخدمة والتنوع الذي اعتاد السائح السعودي أن يجده حين كان يطير كل صيف إلى الخارج.