عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
مجتمع

أول وظيفة لا تأتي

Abderahmane Hellal · 13 يوليو 2026

خريج جامعي أرسل سيرته الذاتية لأكثر من مئة وظيفة خلال عام كامل دون رد يُذكر، حتى قرر أخيرا أن يفتح حسابا على منصة عمل حر عالمية ويعرض مهارته في التصميم لعملاء لا يعرف حتى جنسياتهم. هذا المسار بات نمطا متكررا بدل الاستثناء: تجاوز عدد العاملين في مجال العمل الحر في مصر 850 ألف مستقل خلال 2026، بمعدل نمو سنوي بلغ 28%، ليسهم القطاع بنحو 2.8 مليار دولار سنويا في الناتج المحلي الإجمالي وتدخل مصر ضمن أسرع عشرة أسواق نموا للعمل الحر عالميا (مصراوي, 2026). وفي تونس، لا يزال قرابة 38.4% من الشباب بين 15 و24 عاما بلا عمل رغم تراجع معدل البطالة العام إلى 15.2% (العربية, 2026).

حين يصبح الاضطرار خيارا معلنا

المفارقة أن العمل الحر يُقدَّم إعلاميا غالبا كنموذج تحرري: حرية الوقت، وحرية اختيار العميل، وتخلص من قيود المكتب التقليدي. لكن لكثير ممن دخلوا هذا المجال في مصر وتونس، لم يكن القرار نابعا من رغبة في الاستقلالية بقدر ما كان استسلاما لواقع سوق عمل رسمي غير قادر على استيعاب أعداد الخريجين الجدد سنويا. حين يُسأل هؤلاء الشباب لماذا اختاروا العمل الحر، غالبا ما تكون الإجابة الصادقة أقرب لـ”لم يكن أمامي خيار آخر” من “فضّلت هذا النمط عن العمل الوظيفي”.

دخل بالدولار في اقتصاد يتآكل بالعملة المحلية

جاذبية العمل الحر تتضاعف حين يتقاضى المستقل أجره بعملة أجنبية مستقرة بينما يعيش في اقتصاد محلي يعاني تضخما وتراجع قيمة عملة وطنية. هذا يخلق طبقة جديدة من “المغتربين الرقميين المحليين”: شباب لم يغادروا بلدهم جغرافيا لكنهم أصبحوا فعليا خارج منظومة الأجور المحلية، يكسبون بالدولار وينفقون بالجنيه أو الدينار، ما يمنحهم قوة شرائية أعلى نسبيا من أقرانهم الملتحقين بوظائف حكومية أو خاصة تقليدية.

استقرار مؤجل إلى أجل غير مسمى

الوجه الآخر لهذه الحرية هو غياب كل الضمانات التي توفرها الوظيفة التقليدية: لا تأمين صحي ثابت، ولا معاش تقاعدي، ولا حتى دخل شهري مضمون في الأشهر التي يقل فيها العمل. المستقل يتحمل وحده كل مخاطر السوق دون شبكة أمان مؤسسية خلفه، وهو عبء نفسي ومالي متراكم قلما يظهر في الأرقام الرسمية التي تحتفي بنمو القطاع كمؤشر اقتصادي إيجابي بحت.

يبقى السؤال معلقا فوق كل هذه الأرقام المتصاعدة: هل نشهد فعلا ميلاد اقتصاد جديد أكثر مرونة يلائم جيلا يرفض القيود التقليدية، أم أننا نوثق ببساطة انسحابا جماعيا صامتا من سوق عمل رسمي فشل في أن يمنح شبابه أول وظيفة يستحقونها؟


قد يعجبك أيضاً

مجتمع

ثمن الزفاف

تكلفة الزواج في مصر تصل إلى أحد عشر ضعف متوسط الإنفاق السنوي للفرد، وشبان يبلغون الأربعين دون أن يتزوجوا بسبب غلاء الذهب وتكاليف التأسيس. قراءة في كيف تحول الزفاف من احتفال عائلي إلى عبء مالي يؤجل الحياة نفسها.

اقرأ المزيد
مجتمع

مدينة جديدة لكل من يقدر

إيجارات القاهرة ارتفعت أكثر من 15% خلال عام واحد، بينما تُبنى على مسافة أربعين كيلومترا شرقا عاصمة إدارية جديدة تتسع لسبعة ملايين نسمة. قراءة في انقسام القاهرة إلى مدينتين: واحدة يغادرها من يقدر، وأخرى يُترك فيها من لا يقدر.

اقرأ المزيد
مجتمع

دَين الرفاهية

تطبيقات الدفع الآجل حوّلت الشراء إلى نقرة بلا ألم فوري، لكنها تترك أثرا مؤجلا على مدخرات جيل كامل من الشباب الخليجي. قراءة في اقتصاد "اشترِ الآن وادفع لاحقا" وثمنه الخفي.

اقرأ المزيد