يصف مريض تعبه المستمر لطبيبه بكلمات حذرة: “إرهاق”، “قلة نوم”، “ضغط العمل”، أي شيء إلا الكلمة التي يعرفها في داخله جيدا ويتجنب نطقها: الاكتئاب. هذا التجنب اللغوي ليس فرديا ولا نادرا، بل نمط موثق إحصائيا على نطاق واسع. دراسة شملت أكثر من عشرة آلاف مشارك عبر ست عشرة دولة عربية وجدت أن 26.5 بالمئة من العينة يحملون مواقف موصومة تجاه المصابين بأمراض نفسية، و31.7 بالمئة لديهم معرفة ضعيفة بالصحة النفسية، بينما يحمل 28 بالمئة موقفا سلبيا تجاه طلب المساعدة المتخصصة أصلا (PMC, 2026).
رقم يكشف حجم الصمت
ما يجعل هذه الأرقام مهمة ليس فقط حجمها، بل من صدرت عنه. عينة الدراسة لم تكن عشوائية بلا خصائص، بل غالبيتها من النساء بنسبة 77 بالمئة، ومتعلمات تعليما جامعيا بنسبة 89 بالمئة، وحضريات بنسبة 85 بالمئة. بعبارة أخرى، هذه المواقف الموصومة ليست حكرا على بيئات محدودة التعليم أو معزولة جغرافيا، بل موجودة بقوة داخل الشرائح الأكثر تعليما وحضرية في المجتمع العربي.
هذا يعني أن الوصمة النفسية ليست مجرد أثر جانبي لنقص المعرفة الذي يمكن حله بحملة توعية عابرة. إنها بنية ثقافية أعمق من التعليم الرسمي وحده، تستمر حتى لدى من درسوا وقرأوا واطّلعوا، ما يشير إلى أن التغيير المطلوب لا يخص المعلومات المتاحة بقدر ما يخص طريقة التفكير في المرض النفسي بوصفه هوية لا حالة عابرة.
أي نوع من الوصمة هذا بالضبط
التفصيل الأدق في الدراسة يكسر الصورة النمطية البسيطة عن الوصمة. حين قُسّمت المواقف إلى أبعاد فرعية، جاء بُعد “التقييد الاجتماعي”، أي رغبة الناس في إبعاد المصابين بأمراض نفسية عن الحياة الاجتماعية العامة، الأقل حدة نسبيا. في المقابل، جاء بُعد “السلطوية”، أي الاعتقاد بأن المصاب بمرض نفسي غير قادر على اتخاذ قراراته الخاصة ويحتاج من يتحكم بحياته نيابة عنه، الأكثر حدة بين كل الأبعاد المقاسة.
هذا الفارق الدقيق يغيّر فهمنا للمشكلة بالكامل. المجتمع لا يرفض بالضرورة أن يجلس المريض النفسي إلى جانبه في مناسبة اجتماعية، لكنه يرفض بشدة أكبر أن يمنحه الثقة الكاملة في إدارة شؤونه الخاصة: عمله، زواجه، قراراته المالية. الوصمة هنا ليست إقصاء جسديا بقدر ما هي مصادرة رمزية للأهلية، وهذا النوع من الوصمة أصعب اكتشافا لأنه لا يظهر في رفض علني، بل في نبرة قلق زائد أو وصاية غير معلنة.
جيل يكتب ما لا يجرؤ أهله على قوله
رغم ثقل هذه الأرقام، هناك مؤشر آخر أقل قابلية للقياس الدقيق لكنه ملموس في المساحات الرقمية العربية: جيل أصغر بدأ يستخدم لغة مباشرة لوصف حالته النفسية، بمصطلحاتها الطبية نفسها، في مساحات عامة كان يستحيل فيها هذا الإفصاح قبل عقد واحد فقط. هذا لا يعني اختفاء الوصمة المقاسة في الدراسات، بل ظهور فجوة جيلية حقيقية بين من يتجنبون الكلمة ومن بدأوا يكتبونها بلا تردد.
هذه الفجوة الجيلية ليست حلا نهائيا للمشكلة الموثقة إحصائيا، فالأرقام المذكورة أعلاه تشمل مشاركين من أعمار مختلفة وتعكس مزيجا لا يزال يميل نحو الحذر. لكنها تشير إلى أن التغيير، إن حدث، لن يأتي من حملة توعية مركزية واحدة، بل من تراكم بطيء لأصوات فردية اختارت أن تسمي تجربتها باسمها الحقيقي بدل الالتفاف حولها.
في النهاية، تسمية المرض النفسي باسمه الصريح ليست تفصيلا لغويا هامشيا، بل فعلا علاجيا وسياسيا في آن واحد. من يرفض نطق كلمة “اكتئاب” لا يحمي نفسه من المرض، بل يحرم نفسه من أول خطوة ضرورية لمواجهته: أن يعترف أمام نفسه، قبل أي أحد آخر، بأن ما يشعر به له اسم، وله علاج، وليس ضعفا يجب إخفاؤه إلى الأبد.