فيديو مدته عشرون ثانية، تظهر فيه فتاة تقرأ توقعات برجها لهذا الأسبوع بنبرة واثقة، يحصد ملايين المشاهدات، ثم يقودها المشاهد مباشرة إلى تطبيق يعرض عليه اشتراكا شهريا مقابل “قراءة مفصلة” لمستقبله. هذا المسار البسيط - من فيديو مجاني إلى اشتراك مدفوع - يقف خلف نمو سوق تطبيقات الأبراج والتنجيم عالميا نحو 153 مليون دولار بحلول 2025، بمعدل نمو سنوي يبلغ 11.3%، ومتوقع أن يصل حجم السوق الأوسع إلى 11.71 مليار دولار بحلول 2030 (DataInsightsMarket). المحتوى المرتبط بالأبراج على تيك توك جمع وحده 8.3 مليار إعجاب و920 مليون مشاركة، وسط هاشتاغات مثل “AstroTok” التي تجذب مليارات المشاهدات (WorldMetrics).
أرض خصبة لمحتوى لا يحتاج إثباتا
السعودية والإمارات، وفق قياسات الانتشار، تسجلان أعلى معدلات استخدام لتطبيق تيك توك في العالم، بنسب تفوق حتى عدد السكان أنفسهم بسبب تعدد الحسابات لكل مستخدم (AGBI, 2026). هذا الانتشار الهائل للمنصة، مقترنا بخوارزمية تعرض محتوى الأبراج بسهولة لأي مستخدم أبدى أدنى اهتمام عابر به، خلق بيئة مثالية لنمو هذا النوع من المحتوى دون الحاجة لأي إثبات علمي لصحته. عالميا، يتابع 68% ممن تتراوح أعمارهم بين 13 و34 عاما حسابا واحدا على الأقل مخصصا للأبراج على إنستغرام، وهي فئة عمرية تشكل غالبية سكان الخليج والمنطقة العربية.
حين يبيع القلق نفسه كخدمة
جاذبية الأبراج والتنجيم النفسية ليست جديدة بحد ذاتها، لكن شكلها الرقمي الحالي أضاف بعدا تجاريا لم يكن متاحا بنفس السهولة سابقا: بدل عرافة تُزار مرة في المناسبة، أصبح ممكنا الحصول على “قراءة” يومية عبر إشعار هاتف، مقابل اشتراك شهري صغير يبدو غير مؤثر ماليا لكنه يتراكم بمرور الوقت. هذا النموذج يستغل تحديدا لحظات القلق الطبيعية التي يمر بها أي شاب يواجه قرارات مصيرية - وظيفة، علاقة، مستقبل مهني - ويقدم له وهم اليقين مقابل ثمن صغير مقارنة بقيمة “الطمأنينة” التي يبيعها.
متى يصبح البحث عن يقين بديلا عن مواجهة الغموض؟
السؤال الأعمق هنا ليس ما إذا كانت الأبراج صحيحة علميا - فالإجابة على ذلك محسومة أكاديميا منذ عقود - بل لماذا يلجأ جيل كامل من الشباب المتعلم رقميا إلى هذا النوع من الطمأنة رغم علمه غالبا بعدم دقتها العلمية. الإجابة الأرجح تكمن في أن هذه التطبيقات لا تبيع تنبؤا دقيقا بقدر ما تبيع شعورا مؤقتا بالتحكم في مستقبل غامض بطبيعته، وهو شعور يصعب الحصول عليه من مصادر أكثر واقعية كالتخطيط المالي طويل الأمد أو الاستشارة النفسية المتخصصة، لأن كليهما يتطلب جهدا ووقتا أطول بكثير من مشاهدة فيديو مدته عشرون ثانية.