عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
حوكمة

الماء الذي يُصنع

Abderahmane Hellal · 14 يوليو 2026

لا يوجد نهر دائم واحد يعبر شبه الجزيرة العربية. لا دجلة ولا نيلا ولا رافدا طبيعيا يغذي مدنا يعيش فيها اليوم عشرات الملايين. كل قطرة ماء تخرج من صنبور في الرياض أو أبوظبي أو الدوحة تقريبا مرت أولا عبر محطة تحلية ضخمة حوّلت مياه البحر المالحة إلى مياه صالحة للشرب. الاعتماد يتفاوت بين الدول لكنه في كل الحالات جوهري: قطر هي الأكثر اعتمادا على التحلية بنسبة 61% من استهلاكها الكلي، تليها الإمارات بنسبة 41% إضافة إلى 46% من المياه الجوفية، بينما السعودية الأقل اعتمادا على التحلية نسبيا بـ18% معتمدة بدل ذلك على المياه الجوفية بنسبة 79% (الجزيرة, 2026).

أربعون بالمئة من ماء العالم المُحلّى يخرج من هنا

الأرقام الإجمالية مذهلة بمقياس عالمي: دول مجلس التعاون الخليجي تنتج مجتمعة نحو 40% من إجمالي المياه المُحلاة على مستوى العالم، من أكثر من 400 محطة تحلية منتشرة عبر المنطقة. في عام 2023 وحده، أنتجت السعودية 3 مليارات متر مكعب من المياه المُحلاة، تلتها الإمارات بـ1.9 مليار متر مكعب، ثم الكويت بـ0.8 مليار، وقطر بـ0.7 مليار (المجلس الأطلسي, 2026). هذه ليست بنية تحتية اختيارية أو رفاهية تقنية، بل شرط وجودي: بدونها، تصبح الحياة اليومية والزراعة والصناعة في هذه الدول مستحيلة فعليا، إذ لا تكفي الأمطار المحدودة ولا المخزون الجوفي المتناقص لتغطية احتياجات سكان يتزايدون بسرعة في مدن تتوسع بلا توقف.

بنية حيوية تتركز في نقاط قليلة جدا

هذا الاعتماد الكامل على عدد محدود من المحطات الضخمة يخلق نقطة ضعف استراتيجية نادرا ما يفكر فيها المواطن العادي وهو يفتح الصنبور. خلافا لشبكة الأنهار الطبيعية الموزعة جغرافيا، تتركز إمدادات المياه في الخليج في عدد محدود من المنشآت الساحلية الكبرى، ما يجعل تعطل أو استهداف أي منها حدثا ذا تأثير مباشر وواسع على ملايين البشر دفعة واحدة، لا حدثا محليا محدود الأثر كما قد يحدث مع تلوث جزء من نهر طويل. هذه الهشاشة الجغرافية تحولت من نقاش أكاديمي نظري إلى قلق أمني معلن خلال التوترات الإقليمية الأخيرة، حين بدأ محللون يناقشون علنا احتمالية استهداف هذه المحطات كأداة ضغط استراتيجي.

ماء لا يسقط من السماء بل يُصنع في مصنع

يعيد هذا الواقع تعريف معنى “الأمن المائي” في الخليج: ليس مسألة إدارة مورد طبيعي محدود كما هو الحال في معظم دول العالم، بل مسألة تشغيل صناعي مستمر بلا انقطاع، يعتمد على الطاقة والصيانة والاستقرار الأمني في آن واحد. حين يُصنع الماء بدل أن ينزل من السماء أو يجري في نهر، يصبح أمنه مرتبطا بأمن الصناعة والطاقة والبحر نفسه، لا بموسم أمطار جيد أو سيء. وهذا يطرح سؤالا لم تعد الإجابة عنه رفاهية نظرية: ماذا يحدث فعليا حين يتعطل المصنع الذي يصنع الحياة؟


قد يعجبك أيضاً

حوكمة

من ينجو من الظهيرة

من البحرين إلى الإمارات، تحظر وزارات العمل الخليجية العمل تحت الشمس في ساعات محددة كل صيف. لكن هيومن رايتس ووتش تحذر من أن الحظر المبني على الساعة لا على درجة الحرارة الفعلية يترك ملايين العمال الوافدين بلا حماية حقيقية.

اقرأ المزيد
حضارة

الفخامة الصامتة

بعد عقد من الشعارات الصارخة على الحقائب والأحزمة، يتحول أثرياء الخليج نحو أقمشة بلا علامة ظاهرة وقصّات بلا اسم. قراءة في صعود «الفخامة الصامتة» وكيف يعيد جيل جديد تعريف معنى أن تبدو غنيا.

اقرأ المزيد
مجتمع

الفخامة من يد ثانية

سوق إعادة بيع السلع الفاخرة في الخليج يقترب من 780 مليون دولار، بزيادة 60% خلال أربع سنوات فقط. قراءة في كيف تخلى المستهلك الخليجي تدريجيا عن وصمة «المستعمل» ليتحول الشراء من يد ثانية إلى ذوق رفيع لا رمزا للعوز.

اقرأ المزيد