عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
حوكمة

من ينجو من الظهيرة

Abderahmane Hellal · 13 يوليو 2026

عند الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا، تتوقف رافعة بناء في منتصف حركتها، ويتجه عمال البناء إلى ظل مؤقت بانتظار أن تمر ثلاث ساعات ونصف قبل أن يعودوا إلى موقعهم. هذا المشهد بات مألوفا في دول الخليج خلال أشهر الصيف: حظر رسمي للعمل تحت أشعة الشمس المباشرة في أوقات محددة، تطبقه وزارات العمل بشكل صارم. الإمارات، على سبيل المثال، تطبق هذه السياسة للعام الثاني والعشرين على التوالي، من 15 يونيو حتى 15 سبتمبر، بحظر يومي من الساعة 12:30 ظهرا حتى الثالثة عصرا (وكالة الصحافة المستقلة, 2026).

خريطة الحظر تختلف من دولة لأخرى

كل دولة خليجية تضع توقيتها الخاص لهذا الحظر الموسمي. البحرين تمنع العمل من 15 يونيو إلى 31 أغسطس بين الثانية عشرة ظهرا والرابعة عصرا. عُمان تحدد فترة أضيق، من 12:30 حتى 3:30 ظهرا خلال أشهر الصيف. الكويت وقطر تبدآن الحظر من بداية يونيو ويستمر حتى سبتمبر (أرابيا ويذر, 2026). هذا التنوع في التوقيتات يعكس اعترافا رسميا متزايدا بخطورة الإجهاد الحراري، لكنه أيضا يكشف غياب معيار إقليمي موحد يستند إلى معطيات علمية دقيقة بدل جدول زمني ثابت يتكرر سنويا بالساعة والدقيقة نفسها بصرف النظر عن حالة الطقس الفعلية.

القوانين تمنح العامل أيضا حق التوقف عن العمل والتقدم بشكوى إذا شعر أن ظروف العمل تهدد صحته أو سلامته، مع حظر صريح لأي إجراء تأديبي بحقه نتيجة ذلك (العرب, 2026)، وهي خطوة تشريعية مهمة على الورق، لكنها تعتمد بالكامل على معرفة العامل بحقه وقدرته الفعلية على ممارسته دون خوف من عواقب غير رسمية.

حين تكون الساعة معيارا لا الحرارة

هنا يكمن جوهر الانتقاد الذي توجهه منظمة هيومن رايتس ووتش: إجراءات الحظر الحالية تعتمد على توقيت ثابت مسبقا لا على قياس فعلي لمستويات الإجهاد الحراري في اللحظة نفسها (الوطن الخليجية, 2026). بمعنى أن العامل قد يُمنَع من العمل في يوم معتدل نسبيا لأن الساعة أشارت إلى الثانية عشرة والنصف، بينما يُسمَح له بالعمل في الحادية عشرة صباحا حتى لو كانت درجة الحرارة والرطوبة في تلك اللحظة أشد خطورة فعليا. هذا التناقض بين الشكل القانوني والواقع الفسيولوجي يعني أن ملايين العمال الوافدين في دول الخليج لا يزالون يواجهون مخاطر صحية حقيقية، رغم وجود أطر تنظيمية تبدو شاملة على الورق.

من يملك رفاهية التوقف؟

خلف كل نقاش تقني حول توقيت الحظر، يوجد سؤال أكثر إلحاحا: من يملك فعليا حرية التوقف عن العمل حين يشعر بالخطر؟ العامل الوافد الذي يعيل أسرة في بلده الأصلي، ويخشى أن يُنظر إلى توقفه عن العمل كعلامة ضعف أو سبب لعدم تجديد عقده، قد يواصل العمل تحت شمس حارقة حتى وهو يعرف نظريا أن القانون يحميه. الفجوة الحقيقية ليست في النص القانوني وحده، بل في المسافة بين الحق المكتوب والقدرة الفعلية على المطالبة به دون خوف، وهي مسافة لا يقيسها أي ميزان حرارة رسمي.


قد يعجبك أيضاً

حوكمة

الماء الذي يُصنع

تنتج دول الخليج نحو 40% من مياه التحلية في العالم من أكثر من 400 محطة، بعدما جعل غياب الأنهار الدائمة الاعتماد على البحر خيارا وحيدا لا رفاهية. قراءة في اقتصاد الماء الخليجي وهشاشته الجيوسياسية الخفية.

اقرأ المزيد
حوكمة

سائق بلا صاحب عمل

قضت المحكمة العليا في بريطانيا بأن سائقي أوبر عمال يستحقون كامل حقوقهم القانونية، بينما تعمل جهات عربية على صياغة لوائح تنفيذية لعمال المنصات تحوّل علاقتهم إلى عقود دائمة عند غياب عقد رسمي. قراءة في مليون سائق يعملون كل يوم دون أن يعرفوا بوضوح من صاحب عملهم الفعلي.

اقرأ المزيد
حضارة

الفخامة الصامتة

بعد عقد من الشعارات الصارخة على الحقائب والأحزمة، يتحول أثرياء الخليج نحو أقمشة بلا علامة ظاهرة وقصّات بلا اسم. قراءة في صعود «الفخامة الصامتة» وكيف يعيد جيل جديد تعريف معنى أن تبدو غنيا.

اقرأ المزيد