عبد الرحمان هلال

التقنية · التصميم · الحياة
فلسفة

الفراغ باعتباره مقاومة

Abderahmane Hellal · 27 يونيو 2026

في عام 2004، نشر الكاتب مارك سلوكا مقالا في مجلة Harper’s بعنوان “الاستقالة من مصنع الدهان” (Harper’s Magazine, Mark Slouka, 2004)، وفيه يُجادل بأن انشغالنا المستمر ليس مصادفة ولا ميزة، بل هو حالة مفروضة إيديولوجيا. حجته الجوهرية: الإنسان المنشغل إنسان لا يُفكّر. والإنسان الذي لا يُفكّر إنسان لا يُقاوم. الفراغ، في هذا الفهم، ليس كسلا بل شكل من أشكال الاستقلالية.

الانشغال الإيديولوجي

سلوكا يُلاحظ أن المجتمع الحديث يُقدّم الانشغال كفضيلة وكدليل على الإنتاجية والقيمة، بينما يُقدّم الفراغ كعيب يستحق الاعتذار. “أنا مشغول جدا” باتت إجابة على كل سؤال، والمُنتِج بلا توقف أصبح النموذج المحتذى. لكن سلوكا يسأل: لمن تخدم هذه الأيديولوجيا؟

جوابه: هي تخدم الاقتصاد الذي يحتاج مستهلكين ومنتِجين متواصلين، وتخدم الأنظمة التي تريد مواطنين مُنشغلين لا متأملين. التفكير العميق، والمداولة المدنية، والفن، والمقاومة السياسية: كلها أشياء تحتاج وقتا حرا. الإنسان الذي لا وقت حرا عنده لا يصنع منه مواطن يُفكّر بل مستهلك يُنتِج، ومستهلك يُنتِج هو الشكل الأنسب لاستمرار المنظومة التي تُنشغله.

الفراغ في التراث الإسلامي

الحديث النبوي الذي رواه البخاري: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ” (صحيح البخاري، كتاب الرقاق)، يضع الوقت الحر في مرتبة النعمة التي تُهدر. التعبير “مغبون فيهما” يُشير إلى من يملك شيئا ثمينا ولا يُحسن استخدامه، فيبيعه بثمن أقل مما يستحق. هذا الفهم ينقلب على الصورة النمطية: الفراغ نعمة، لكنه نعمة يُغبن فيها الناس حين يُحوّلونه إلى لا شيء، بدلا من أن يجعلوه موردا للتأمل والمعرفة.

الجاحظ والمتنبي وابن خلدون كتبوا أعمالهم الكبرى في فترات كان فيها ما يُشبه “الفراغ المنتخَب” من المهام العاجلة. الجاحظ وصف بنفسه استمتاعه بالجلوس في محل بائع الكتب ساعات يُقلّب فيما لا يحتاجه بالمعنى الأداتي المباشر، لكنه كان يحتاجه بمعنى آخر: كان يبني ذهنه، لا مهامه. هذا الفراغ الخصب ليس الكسل، بل ضده تماما.

الانشغال كهروب من الأسئلة

سلوكا يُضيف بُعدا نفسيا يُكمّل بُعده الإيديولوجي: الانشغال المستمر يُستخدم كهروب من أسئلة نخشى مواجهتها. من نحن حين لا نعمل؟ ما الذي نُريده فعلا حين ينتهي جدول الأعمال؟ الفراغ يُفضي إلى هذه الأسئلة، ولهذا كثيرون يملؤونه بصخب عوضا عن مواجهتها.

هذا يتصل بما طرحناه في مقال هذا هو الماء: الإعداد الافتراضي للعقل يُفضّل الحركة على السكون، والانشغال على التأمل. الفراغ الحقيقي يستلزم مواجهة هذا الإعداد بوعي. والانشغال الزائف هو الطريق السهل للهرب منه: ننشغل لكي لا نسأل، ونسأل أحيانا لكي لا نجيب.

الفراغ المنتِج

ما يُطالب به سلوكا ليس كسلا ولا استرخاء مُقنَّعا، بل إعادة تعريف الإنتاجية لتشمل ما لا يُقاس بالأرباح والمهام المنجزة. التفكير الطويل، والقراءة غير النفعية، والصداقة التي لا تنتهي باتفاقية، والتأمل في سؤال لا إجابة جاهزة له: هذه ليست أضدادا للإنتاجية بل شروط لنوع مختلف منها، الإنتاجية التي تُنتج إنسانا لا مجرد منتِج.

وهذا ما يُشير إليه مفهوم “العلم النافع” في التراث الإسلامي الذي لمسناه في مقال ستفوتك معظم الأشياء وهذا جيد: الانتقاء ليس عن خوف من الفوات بل عن معرفة ما يستحق الوقت الحر الذي لديك. الفراغ من دون انتقاء يُصبح فراغا بالمعنى السلبي. والانتقاء من دون فراغ يُصبح ضغطا من نوع آخر.

من يملك وقتك؟

السؤال الذي يتركه سلوكا مفتوحا هو في الجوهر سؤال سياسي: من يملك وقتك؟ الشخص الذي يُنظّم كل دقيقة وفق أولويات السوق والعمل والإنتاج لم يختر هذا في الغالب، بل وجد نفسه فيه وبرّر وجوده فيه بلغة القيمة والإنجاز. استعادة قدر من الفراغ المُختار، القراءة بلا هدف، والمشي بلا وجهة، والمحادثة بلا أجندة، هو فعل صغير لكنه يُعيد إلى الشخص شيئا لا يُعوَّض: الشعور بأن وقته يعود جزء منه إليه.


قد يعجبك أيضاً

أدب

ستفوتك معظم الأشياء وهذا جيد

مهما قرأت وشاهدت وسمعت، ستفوتك نسبة تقترب من 100% مما أنتجته البشرية. الكاتبة ليندا هولمز تميّز بين استراتيجيتين للتعامل مع هذا الحدّ. قراءة في ضوء مفهوم العلم النافع في التراث الإسلامي.

اقرأ المزيد
علم وتقنية

لماذا توقف الاختراع الحقيقي؟

بين عامَي 1945 و1971 اخترع البشر جُلّ ما يعتمدون عليه اليوم. ثم توقف شيء ما. مقارنة بين هذا الجمود وما أعقب العصر الذهبي الإسلامي، وسؤال: ما الشروط التي تجعل التقدم الجذري ممكنا؟

اقرأ المزيد